تجري الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بوساطة مجموعة من الوسطاء الإقليميين، مناقشات مكثفة حول شروط هدنة محتملة مدتها 45 يوماً. تهدف هذه المفاوضات إلى تمهيد الطريق لإنهاء دائم للحرب الجارية ومنع خروج الأمور عن السيطرة. ووفقاً لما أفاد به موقع «أكسيوس» الأمريكي، نقلاً عن مصادر أمريكية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة، فإن فرص التوصل إلى اتفاق جزئي خلال الـ48 ساعة القادمة تبدو ضئيلة جداً. ومع ذلك، يُعد هذا الجهد الدبلوماسي الأخير الفرصة الوحيدة لمنع التصعيد في إيران، والذي قد يشمل ضربات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية الإيرانية، وردود فعل انتقامية تستهدف منشآت الطاقة والمياه في دول الخليج.
جذور التوتر ومساعي كبح التصعيد في إيران
لفهم طبيعة الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية، والذي شهد منعطفاً حاداً منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018 وتطبيق سياسة “الضغوط القصوى”. أدت تلك السياسات إلى تسريع طهران لبرنامجها النووي وزيادة وتيرة تخصيب اليورانيوم، فضلاً عن تصاعد التوترات في الممرات المائية الاستراتيجية. واليوم، تأتي هذه المفاوضات في ظل بيئة إقليمية مشتعلة، حيث تسعى الأطراف الدولية جاهدة لاحتواء الموقف قبل الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تغير خريطة الشرق الأوسط.
مهلة ترامب الحاسمة وخطط العمليات العسكرية
في سياق الضغوط المتزايدة، كان من المقرر أن تنتهي المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران (10 أيام) مساء الإثنين، إلا أنه قرر تمديدها يوم الأحد بـ20 ساعة إضافية. وأعلن عبر منصة «تروث سوشيال» عن مهلة جديدة تنتهي الثلاثاء الساعة 8 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. وفي تصريحات لموقع «أكسيوس»، أكد ترامب أن واشنطن تنخرط في “مفاوضات عميقة” مع طهران، معرباً عن أمله في التوصل إلى اتفاق. لكنه حذر بلهجة حاسمة: “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسأفجر كل شيء هناك”، مهدداً بتدمير بنى تحتية حيوية للمدنيين الإيرانيين. في المقابل، حذرت مصادر من أن هجمات كهذه قد ترقى إلى جرائم حرب، بينما توعدت طهران بالرد عبر ضربات تستهدف البنى التحتية في إسرائيل ودول الخليج. وأكدت مصادر مطلعة أن الخطة العملياتية لحملة قصف أمريكية-إسرائيلية ضخمة تستهدف منشآت الطاقة الإيرانية باتت جاهزة للتنفيذ، لكن تمديد المهلة يمنح فرصة أخيرة للسلام.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
تكتسب هذه الساعات الحاسمة أهمية بالغة تتجاوز الحدود الإيرانية والأمريكية. فعلى الصعيد الإقليمي، يهدد اندلاع صراع شامل أمن واستقرار دول الخليج العربي، خاصة مع التهديدات المباشرة باستهداف محطات الطاقة والمياه، مما قد يؤدي إلى أزمة غير مسبوقة في المنطقة. أما على الصعيد الدولي، فإن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، سيؤدي إلى صدمة هائلة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع جنوني في أسعار النفط، مما يهدد الاقتصاد العالمي برمته ويزيد من معدلات التضخم في الدول الصناعية الكبرى.
تفاصيل المبادرة: مرحلتان لإنهاء الحرب
خلف الكواليس، تقود باكستان ومصر وتركيا جهود وساطة مكثفة، إلى جانب رسائل نصية مباشرة بين مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. تتضمن الصفقة المطروحة مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى تشمل هدنة لمدة 45 يوماً (قابلة للتمديد) يتم خلالها التفاوض على إنهاء دائم للحرب. أما المرحلة الثانية فتستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي شامل. وتشترط المبادرة أن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، وإيجاد حل لمخزون اليورانيوم عالي التخصيب (إما بنقله للخارج أو تخفيفه)، لن يتم إلا ضمن الاتفاق النهائي. ورغم تقديم إدارة ترامب عدة مقترحات، إلا أن المسؤولين الإيرانيين لم يعلنوا قبولها حتى الآن.
عقبات التفاوض ومخاوف اللحظة الأخيرة
تتركز نقاط الخلاف الرئيسية حول تدابير بناء الثقة المتعلقة بمضيق هرمز واليورانيوم المخصب، وهما الورقتان الأقوى بيد طهران. وترفض القيادة الإيرانية التنازل الكامل عنهما مقابل هدنة مؤقتة. ويبذل الوسطاء جهوداً مضنية لمعرفة مدى استعداد إيران لاتخاذ خطوات جزئية، مع محاولة انتزاع ضمانات أمريكية بأن الهدنة لن تكون مجرد استراحة تكتيكية لاستئناف الحرب، تجنباً لتكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في غزة أو لبنان. ورغم التحذيرات من أن الوقت ينفد، يحافظ المسؤولون الإيرانيون علناً على موقف متشدد، حيث صرحت البحرية في الحرس الثوري الإيراني بأن الوضع في مضيق هرمز “لن يعود أبداً” إلى ما كان عليه قبل الحرب، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.


