في مرحلة دقيقة تتغير فيها خرائط النفوذ البحري وتتصاعد فيها أهمية الممرات الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي، يبرز التعاون السعودي اليمني كركيزة أساسية لضمان استقرار المنطقة. وفي هذا السياق، يطرح رئيس مجلس إدارة موانئ عدن، الدكتور محمد علوي أمزربه، رؤية متقدمة لإعادة تموضع ميناء عدن كقوة لوجستية إقليمية. تستند هذه الرؤية إلى الموقع الجغرافي الاستثنائي للميناء عند بوابة البحر الأحمر، وإلى شراكات واعدة تهدف إلى تعزيز الأمن البحري واستمرارية سلاسل الإمداد.
الجذور التاريخية والأهمية الجغرافية لميناء عدن
لم يكن ميناء عدن يوماً مجرد محطة عابرة، بل يمتلك إرثاً تاريخياً عميقاً يجعله واحداً من أهم الأصول السيادية في الجغرافيا البحرية الدولية. تاريخياً، عُرف الميناء كواحد من أكثر الموانئ نشاطاً في العالم، خاصة خلال القرن العشرين، حيث كان محطة رئيسية لتزويد السفن بالوقود ونقطة ربط حيوية بين الشرق والغرب. ينبع هذا الثقل التاريخي من إشرافه المباشر على مضيق باب المندب، الذي يُعد شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. ورغم الفجوة المؤقتة بين قدرته التصميمية ومستوى التشغيل الفعلي نتيجة الظروف المحيطة، فإن العمل جارٍ على استعادة دوره التاريخي كمركز عالمي لإعادة الشحن.
التحديات الراهنة ومسار التحديث الشامل
رغم التحديات الأمنية والمالية التي فرضتها ظروف الحرب، يرى الدكتور أمزربه أن هذه العقبات تحولت إلى دافع قوي لإطلاق مسار تحديث شامل. تتوزع هذه التحديات على مستويات عدة؛ أمنياً، تستمر تداعيات انقلاب المليشيات الحوثية في التأثير على سلاسل الإمداد. ومالياً، ارتفعت تكاليف التأمين البحري بسبب تصنيف المنطقة كمخاطر حرب. أما من الناحية التشغيلية، فهناك حاجة ماسة لتحديث الأصول الرأسمالية، خصوصاً الرافعات الجسرية لاستقبال السفن الحديثة. وإدارياً وتقنياً، تبرز ضرورة تسريع التحول الرقمي لرفع كفاءة العمليات وتقليل البيروقراطية، إلى جانب استكمال تثبيت السيادة اللوجستية الكاملة على حدود الميناء قانونياً.
خطة استعادة المكانة اللوجستية وتطوير البنية التحتية
تعتمد خطة تطوير الميناء على ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول تشغيلي وفني، يركز على تحديث المعدات، تطبيق أنظمة تشغيل متقدمة، تطوير البنية التحتية، تعميق الأرصفة والقناة الملاحية، وتحسين المداخل. المحور الثاني مالي وإدارة مخاطر، ويتضمن إطلاق «صندوق الضمان البحري الوطني» لتغطية مخاطر الحرب وتعزيز ثقة المستثمرين. أما المحور الثالث فهو استثماري وتحول ذكي، يهدف إلى تحويل الميناء إلى «ميناء ذكي» عبر تقنيات رقمية متقدمة، وفتح الباب أمام شراكات دولية استراتيجية، بما في ذلك تطوير محطات الحاويات وإنشاء مناطق لوجستية ظهيرة.
أبعاد وتأثيرات التعاون السعودي اليمني إقليمياً ودولياً
يحمل التعاون السعودي اليمني أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية ليلعب دوراً محورياً على الساحتين الإقليمية والدولية. محلياً، يساهم الاستقرار الأمني والدعم اللوجستي في خفض تكاليف التأمين وجذب الخطوط الملاحية العالمية، مما ينعكس إيجاباً على انخفاض أسعار السلع الأساسية وتخفيف العبء الاقتصادي عن المواطن اليمني. إقليمياً، يعزز هذا التعاون من أمن البحر الأحمر، الذي يُعد ممراً حرجاً للأمن القومي العربي، ويمنع أي تهديدات قد تعرقل الملاحة. ودولياً، يضمن هذا التحالف استقرار سلاسل الإمداد العالمية، مما يبعث برسالة طمأنة للأسواق العالمية بأن الممرات المائية الحيوية تحظى بحماية وتطوير مستمرين.
فرص الاستثمار الواعدة وتكامل الرؤى مع رؤية 2030
يمثل الدعم السعودي نموذجاً لوحدة المصير، حيث شمل تنفيذ مشاريع تنموية وتسهيل الإجراءات اللوجستية. واليوم، تتجه الأنظار نحو مأسسة هذا التعاون مع الموانئ والشركات السعودية عبر نقل المعرفة والاستثمار المشترك. تمتلك الشركات السعودية خبرة وقدرة مالية كبيرة، ويُعد ميناء عدن امتداداً طبيعياً للموانئ السعودية على البحر الأحمر. يتم العمل حالياً على بناء «كتلة لوجستية موحدة» عبر خطوط ملاحية إقليمية تربط الموانئ اليمنية بالسعودية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030. هذا الانتقال من مرحلة الدعم إلى الاستثمار الاستراتيجي المشترك سيؤسس لمستقبل مزدهر يرسخ مكانة عدن كبوابة للسيادة اللوجستية.


