في خطوة دبلوماسية واستراتيجية لافتة، أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أول زيارة رسمية له إلى العاصمة السورية دمشق، حيث التقى بنظيره السوري أحمد الشرع. وقد شهد هذا اللقاء التاريخي، الذي حضره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مباحثات مكثفة توجت بالاتفاق على تبادل الخبرات العسكرية والأمنية بين البلدين. وأكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن الاستقبال الرسمي جرى في قصر الشعب بدمشق بحضور وفد وزاري رفيع المستوى من الجانبين، مما يعكس جدية المساعي نحو بناء شراكة استراتيجية جديدة في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة.
دلالات تبادل الخبرات العسكرية والأمنية بين كييف ودمشق
تأتي هذه الزيارة في سياق تاريخي وجيوسياسي بالغ التعقيد، حيث تشهد كل من أوكرانيا وسوريا تحديات أمنية وعسكرية غير مسبوقة. إن الاتفاق على تبادل الخبرات العسكرية والأمنية يكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى التجربة العميقة التي يمتلكها البلدان في التعامل مع التكتيكات العسكرية الروسية. فسوريا، التي خرجت للتو من حقبة طويلة من التدخل الروسي المباشر الذي دعم النظام السابق، تمتلك إرثاً استخباراتياً وميدانياً يمكن أن يفيد أوكرانيا في حربها الدفاعية الحالية ضد موسكو. وفي المقابل، طورت أوكرانيا قدرات نوعية في حروب الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والحروب السيبرانية، وهي خبرات تحتاجها القيادة السورية الجديدة لبناء مؤسساتها العسكرية والأمنية على أسس حديثة ومستقلة.
دور تركي محوري في هندسة التحالفات الإقليمية الجديدة
لم يكن حضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لهذه القمة مجرد صدفة بروتوكولية، بل يعكس دور أنقرة المتنامي كمهندس للتحالفات الإقليمية الجديدة. تركيا، التي تشترك في حدود استراتيجية مع كل من سوريا وتطل على البحر الأسود قبالة أوكرانيا، تسعى إلى خلق محور تعاون يضمن الاستقرار الإقليمي ويحد من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. هذا التنسيق الثلاثي يمثل رسالة قوية للمجتمع الدولي بأن هناك نظاماً إقليمياً جديداً يتشكل، يعتمد على المصالح المشتركة ومواجهة التهديدات الجيوسياسية المتقاطعة، مما سينعكس إيجاباً على أمن شرق البحر المتوسط وأوروبا الشرقية.
الأمن الغذائي كركيزة للاستقرار ودعم البنية التحتية
إلى جانب الملفات الدفاعية، احتل التعاون الاقتصادي حيزاً كبيراً من المباحثات. فقد شدد الجانبان على ضرورة تأمين خطوط الإمداد الغذائي كعنصر حاسم لتعزيز الاستقرار الداخلي. وفي هذا الصدد، أكد الرئيس زيلينسكي عبر حسابه الرسمي على منصة إكس أن أوكرانيا ستظل مورداً موثوقاً للمنتجات الزراعية والغذائية لسوريا، رغم ظروف الحرب الروسية الأوكرانية. وأبدى زيلينسكي تفهماً عميقاً للتحديات الهائلة التي تواجهها سوريا في قطاعات الطاقة وإعادة إعمار البنية التحتية، معرباً عن استعداد كييف للعمل المشترك لتوسيع آفاق التنمية وتقديم الدعم الفني الممكن لمساعدة الشعب السوري في مرحلة التعافي وبناء الدولة.
الأبعاد الدولية لجولة زيلينسكي الشرق أوسطية
تندرج هذه الزيارة ضمن استراتيجية أوسع تتبناها كييف لتنويع تحالفاتها وكسب الدعم في الساحة الدولية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي باتت تلعب دوراً حاسماً في توازنات الطاقة والأمن العالمي. وكان زيلينسكي قد أجرى جولة إقليمية الشهر الماضي شملت الأردن وعدداً من دول الخليج العربي، في محاولة لحشد التأييد الدبلوماسي وتأمين شراكات اقتصادية جديدة. إن التقارب الأوكراني السوري اليوم يثبت أن تداعيات الصراعات لم تعد محلية، بل هي مترابطة بشكل وثيق، حيث تسعى الدول المتضررة من التدخلات الخارجية إلى توحيد جهودها لضمان سيادتها وتحقيق التنمية المستدامة لمجتمعاتها وسط عالم يموج بالاضطرابات.


