شهدت العاصمة بغداد تطوراً أمنياً خطيراً، حيث اتهمت السفارة الأمريكية في العراق فصائل مسلحة توالي طهران بمحاولة اغتيال دبلوماسيين أمريكيين. جاء هذا الاتهام بعد تنفيذ هجومين استهدفا منشآت دبلوماسية أمريكية خلال ساعات الليل. وأكد متحدث باسم السفارة في بيان رسمي أن “مليشيات إرهابية عراقية موالية لإيران نفذت هجومين شنيعين على منشآت دبلوماسية أمريكية، في محاولة واضحة لاغتيال دبلوماسيين أمريكيين”. هذا التصعيد يضع المشهد الأمني في البلاد أمام تحديات جديدة ومعقدة.
تداعيات استهداف السفارة الأمريكية في العراق ومواقف القيادات
وفي سياق متصل، لم تقتصر الهجمات على العاصمة، بل امتدت لتشمل إقليم كردستان. فقد أدان رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، بشدة الهجمات التي استهدفت القنصلية الأمريكية العامة ومناطق مدنية في أربيل. ووصف بارزاني هذه العمليات بأنها “شنيعة وذات طابع عدواني متعمد”، محذراً من أنها تهدد أمن واستقرار البلاد والمنطقة بأسرها. وشدد على أن هذه الهجمات تمثل خطراً كبيراً لا يمكن القبول به تحت أي ظرف، مطالباً بضرورة وضع حد فوري لها. وقد شهدت منطقة أربيل عدة هجمات ليلية طالت منشآت حيوية ومدنية، مما أثار حالة من القلق بين السكان المحليين.
تبني العمليات وتصاعد وتيرة العنف المتبادل
من جهة أخرى، أعلنت هيئة الحشد الشعبي تعرض أحد مقراتها لهجوم في قضاء طوزخورماتو شمال بغداد، مما يعكس حالة من التوتر المتبادل. وفي تطور لافت، تبنت المجموعة التي تطلق على نفسها اسم “المقاومة الإسلامية في العراق” الهجمات الأخيرة. وأكدت هذه الفصائل في بياناتها أنها نفذت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 19 عملية عسكرية باستخدام عشرات الطائرات المسيّرة، مستهدفة قواعد عسكرية ومنشآت دبلوماسية في مناطق متفرقة. وتأتي هذه الهجمات بالصواريخ والمسيّرات كجزء من سلسلة استهدافات مستمرة تنفذها فصائل مسلحة موالية لإيران ضد المصالح الأجنبية.
الجذور التاريخية لاستهداف البعثات الدبلوماسية
لا يُعد هذا التصعيد وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التوترات الأمنية التي استهدفت التواجد الأجنبي في البلاد منذ عام 2003. على مدار السنوات الماضية، تعرضت المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، والتي تضم المقار الحكومية والبعثات الدولية، لعشرات الهجمات الصاروخية. وتزايدت وتيرة هذه الهجمات بشكل ملحوظ بعد عام 2020، إثر تصاعد الخلافات الإقليمية والدولية. وتستخدم الفصائل المسلحة هذه الهجمات كأداة للضغط السياسي ومحاولة لفرض واقع أمني جديد يهدف إلى إخراج القوات الأجنبية والتحالف الدولي من الأراضي العراقية، مما يجعل البعثات الدبلوماسية في مرمى النيران بشكل متكرر.
التأثيرات الإقليمية والدولية للمشهد الأمني الحالي
يحمل هذا الحدث أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية لتلقي بظلالها على المشهدين الإقليمي والدولي. محلياً، تزيد هذه الهجمات من إحراج الحكومة المركزية في بغداد التي تسعى جاهدة لفرض سيادة القانون وحماية البعثات الدبلوماسية وفقاً للمعاهدات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية فيينا. إقليمياً، يُنظر إلى هذه التطورات على أنها انعكاس مباشر للصراع الخفي والمستمر بين واشنطن وطهران، حيث تُستخدم الساحة العراقية كصندوق بريد لتبادل الرسائل الأمنية والسياسية. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار محاولات الاغتيال واستهداف الدبلوماسيين قد يدفع الإدارة الأمريكية وحلفاءها إلى إعادة تقييم استراتيجيتهم الأمنية في الشرق الأوسط، وقد يؤدي إلى ردود فعل عسكرية أو عقوبات اقتصادية جديدة تزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.


