كشف تحليل حديث لبيانات الشحن البحري، نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية، عن تطورات عسكرية حساسة تتمثل في استمرار الصين بتزويد إيران بكميات ضخمة من المواد الكيميائية الأساسية اللازمة لإنتاج وقود الصواريخ الباليستية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط توترات غير مسبوقة، مما يطرح تساؤلات حول دور بكين في دعم الترسانة العسكرية لطهران في خضم الصراعات الدائرة.
جذور التعاون الاستراتيجي وتطوير القدرات العسكرية
لفهم أبعاد هذا الدعم، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعلاقات الصينية الإيرانية. على مدار العقود الماضية، وطدت بكين وطهران علاقاتهما الاقتصادية والعسكرية، والتي تُوجت بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة 25 عاماً. وفي ظل العقوبات الغربية القاسية المفروضة على طهران، شكلت الصين شريان حياة رئيسي للاقتصاد الإيراني. ولم يقتصر هذا الدعم على شراء النفط فحسب، بل امتد ليشمل نقل التكنولوجيا والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي تساهم في تعزيز القدرات الصاروخية الإيرانية، والتي تعتبرها طهران ركيزة أساسية في عقيدتها الردعية والدفاعية.
مسارات الشحن السري لمكونات وقود الصواريخ الباليستية
وبحسب المعلومات التي أوردتها الصحيفة البريطانية، فقد رُصدت أربع سفن إيرانية، تخضع لعقوبات دولية، راسية في موانئ طهران منذ اندلاع الحرب، بينما كانت سفينة خامسة ترسو قبالة سواحلها. وتُشير التقديرات إلى أن هذه السفن محملة بمادة «بيركلورات الصوديوم»، وهي المادة الأولية والحاسمة في صناعة الوقود الصلب المخصص لتشغيل وقود الصواريخ الباليستية. وقد انطلقت هذه السفن من ميناء غاولان في مدينة تشوهاي الصينية، والذي يُعد من أكبر محطات تخزين المواد الكيميائية السائلة في الصين.
وتعود هذه السفن الخمس إلى أسطول خطوط الشحن الإيرانية المعاقب أمريكياً وبريطانياً وأوروبياً. ومن أبرز هذه السفن سفينة «هامونا» التي غادرت في 19 فبراير، ووصلت إلى بندر عباس في 26 مارس بعد رحلة استغرقت 5 أسابيع. كما شملت القائمة سفن «بارزين»، و«شابديس»، و«راين» التي رست منذ 22 مارس، بينما كانت «زارديس» على وشك الوصول في 2 أبريل. ولإخفاء هذه التحركات، تعمدت السفن إيقاف أنظمة التتبع الآلي (AIS) وتغيير أسمائها ووجهاتها المعلنة، مما يؤكد مساعي تسهيل وصول هذه المواد الحساسة عبر البحر.
التأثير الإقليمي والدولي لتنامي الترسانة الإيرانية
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيراً متوقعاً يمتد من النطاق المحلي إلى الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يمنح هذا الإمداد طهران القدرة على استدامة عملياتها العسكرية، مما يعقد جهود التهدئة ويشكل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة والدول المجاورة. وقدر الخبراء أن هذه الشحنات الجديدة أكبر حجماً من شحنات سابقة في أوائل 2025 على سفينتي «غولبان» و«جيران»، والتي كانت تكفي لإنتاج ما بين 102 و157 صاروخاً. وفي حال استخدام الكميات الحالية كمعيار، يُعتقد أن إيران استوردت ما يكفي لإنتاج نحو 785 صاروخاً إضافياً، ما يعني أن طهران قادرة على إطلاق ما بين 10 و30 صاروخاً يومياً لمدة شهر كامل.
قراءة الخبراء للمشهد العسكري
وفي هذا السياق، اعتبر مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، أن هذه الشحنات تمثل مؤشراً واضحاً على محاولات إيران الحثيثة لإعادة الإمداد ومعالجة النقص الحاد في مخزون القذائف. من جهته، أوضح البروفيسور جيفري لويس، خبير الحد من التسلح، أن وجود هذه الشحنات يدل على أن إيران لا تزال تحتفظ بقدرة إنتاجية عالية للصواريخ رغم القصف المستمر والضغوط الدولية.


