ما هو مرض الإكزيما؟
يُعد مرض الإكزيما من أكثر الأمراض الجلدية المزمنة انتشاراً في العالم، وهو عبارة عن حالة التهابية تصيب الجلد وتؤدي إلى ظهور بقع حمراء وجافة يرافقها شعور شديد ومزعج بالحكة. ورغم أنها ليست حالة معدية، إلا أنها تؤثر بشكل واضح على جودة حياة المصابين بسبب طبيعتها المتقلبة بين فترات التحسن والانتكاس. تنشأ هذه الحالة نتيجة تفاعل معقد بين عوامل وراثية وبيئية ومناعية، حيث يصبح الجلد أكثر حساسية وأقل قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة، مما يجعله عرضة للتهيج عند التعرض لمحفزات مثل الجفاف، المواد الكيميائية، التوتر النفسي، وبعض أنواع الأطعمة.
الجذور التاريخية لالتهابات الجلد المزمنة
لم يكن ظهور الأمراض الجلدية وليد العصر الحديث، بل يمتد السياق التاريخي لالتهابات الجلد إلى العصور القديمة. فمصطلح الإكزيما مشتق في الأصل من الكلمة اليونانية “ekzein” والتي تعني “الغليان”، وهو وصف دقيق لحالة الجلد عندما يتهيج وتظهر عليه الفقاعات والتقرحات. وقد وثق الأطباء الأوائل، مثل أبقراط، حالات مشابهة تتسم بجفاف الجلد والحكة الشديدة. ومع تطور الطب الحديث، بدأ العلماء في فهم الآليات المناعية والوراثية المعقدة التي تقف خلف هذا المرض، مما أحدث ثورة في طرق التشخيص والعلاج مقارنة بالأساليب التقليدية القديمة التي كانت تعتمد على مسكنات بدائية.
التأثير الصحي والاقتصادي محلياً وعالمياً
تبرز أهمية فهم هذا المرض وتأثيره المتوقع عند النظر إلى الإحصائيات الصحية الحديثة. على الصعيد الدولي، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإكزيما تصيب نسبة تتراوح بين 15% إلى 20% من الأطفال، وحوالي 3% إلى 10% من البالغين حول العالم. أما على المستويين الإقليمي والمحلي، فإن تزايد معدلات الإصابة يفرض تحديات كبيرة على أنظمة الرعاية الصحية، سواء من حيث التكاليف المباشرة للعلاجات والأدوية، أو التكاليف غير المباشرة المتمثلة في التغيب عن العمل والمدارس، فضلاً عن التأثير النفسي العميق على المرضى وعائلاتهم نتيجة اضطرابات النوم والقلق المستمر.
أسباب وعوامل الخطر المؤدية للإصابة
أكد العديد من أطباء الجلدية، ومنهم الدكتور نايف الحربي، أن الإكزيما تُعد مرضاً جلدياً مناعياً مزمناً لا ينتقل بالعدوى. وتنشأ الحالة نتيجة خلل في جهاز المناعة يؤدي إلى ضعف حاجز الجلد وفقدانه القدرة على الاحتفاظ بالرطوبة ومقاومة المهيجات. هذا الخلل يجعل الجلد جافاً وسريع الاحمرار، وتزداد الحكة ليلاً مما يؤثر في النوم والمزاج. وغالباً ما يرتبط المرض بتاريخ عائلي من الربو أو حساسية الأنف. كما أن بيئتنا تحتوي على عوامل تفاقم الحالة مثل الطقس الجاف، التغيرات الحرارية، الهواء المكيّف، العرق، المنظفات القوية، العطور، والملابس الصناعية، إضافة إلى التوتر النفسي.
أنواع الإكزيما وأشكالها المتعددة
أوضح استشاري أمراض وجراحة الجلد، الدكتور محمد الهداب، أن الإكزيما ليست نوعاً واحداً، بل تشمل عدة أنواع، أبرزها: الإكزيما التأتبية، الدهنية، التحسسية، التهيجية، إكزيما الجفاف، والإكزيما العصبية. وتنقسم الإكزيما التلامسية إلى نوعين: التهيجية التي تحدث بسبب الغسيل المتكرر أو استخدام المنظفات القوية، والتحسسية التي تنشأ بسبب تحسس الجلد من مواد معينة. وقد ازدادت حالات الإكزيما في اليدين بشكل ملحوظ خلال جائحة كورونا بسبب كثرة استخدام الكحول والمعقمات، مما أدى إلى فقدان الدهون الطبيعية للجلد.
طرق الوقاية وأحدث الخيارات العلاجية
يضيف أخصائي أول طب الأمراض الجلدية، الدكتور عدنان البحببوح، أن الأعراض تختلف بين المرضى، لكن أكثرها شيوعاً هو جفاف الجلد وتشققاته، الحكة، الطفح الجلدي، والتقشير. وتتمثل الوقاية في ترطيب البشرة عدة مرات يومياً بمرطبات خالية من العطور، الاستحمام بماء فاتر لمدة قصيرة، استخدام منظفات لطيفة، وارتداء الملابس القطنية. أما العلاج، فيعتمد على تحديد النوع والمهيجات، ويشمل خيارات متعددة تبدأ من العلاجات الموضعية مثل كريمات الكورتيكوستيرويد ومثبطات الكالسينورين، وصولاً إلى العلاجات الجهازية للحالات الشديدة، والعلاجات البيولوجية الحديثة مثل “دوبيلوماب”، بالإضافة إلى العلاج الضوئي والدعم النفسي.


