كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة “Midwifery” المحكمة الصادرة عن دار النشر العالمية “Elsevier” لعام 2026، عن واقع وتحديات مهنة القبالة في السعودية. وأوضحت الدراسة أن هذه المهنة الحيوية تواجه عقبات عميقة تتجاوز مجرد نقص الكوادر الطبية، لتصل إلى غياب تعريف واضح ومحدد للدور المهني للقابلة داخل المجتمع والمنظومة الصحية بشكل عام.
جذور وتطور الرعاية الصحية للأمومة
تُعد القبالة من أقدم المهن الإنسانية التي عرفتها البشرية، حيث ارتبطت منذ القدم بتقديم الرعاية للأم وجنينها خلال فترة الحمل والولادة. تاريخياً، كانت هذه المهمة تُوكل إلى نساء ذوات خبرة متوارثة يُعرفن بـ “الدايات”، اللاتي لعبن دوراً محورياً في المجتمعات قبل تطور الطب الحديث. ومع النهضة الشاملة التي شهدتها المملكة العربية السعودية في قطاع الرعاية الصحية، تحولت هذه الممارسة من جهود فردية تقليدية إلى تخصص طبي وعلمي دقيق يخضع لمعايير أكاديمية صارمة. هذا التحول التاريخي يعكس حرص المنظومة الصحية على تقديم رعاية آمنة وموثوقة، إلا أن الانتقال إلى المأسسة الكاملة لا يزال يتطلب جهوداً مضاعفة لترسيخ هذا التخصص كركيزة أساسية لا غنى عنها في المستشفيات الحديثة.
واقع مهنة القبالة في السعودية وتحديات الكوادر
فيما يخص الوضع الراهن، تسجل المنظومة الصحية في المملكة نحو 600 ألف ولادة سنوياً، وهو رقم ضخم يتطلب بنية تحتية بشرية قوية. وتشير التقديرات إلى أن الحاجة الفعلية لتغطية هذا العدد وفق المعايير الدولية تصل إلى نحو 20 ألف قابلة مؤهلة. في المقابل، لا تزال أعداد القابلات الممارسات محدودة، مع وجود اعتماد ملحوظ على الكوادر غير السعودية. إضافة إلى ذلك، فإن غالبية العاملات في هذا المجال يحملن مؤهل “دبلوم” فقط، مما يعكس فجوة واضحة بين الطلب الفعلي المتزايد والقدرة التشغيلية المتاحة لتطوير مهنة القبالة في السعودية والارتقاء بها.
الأثر الشامل لتمكين القابلات محلياً وعالمياً
لا يقتصر تأثير تمكين القابلات على النطاق المحلي فحسب، بل يمتد ليتقاطع مع أهداف الصحة العالمية. عالمياً، يواجه القطاع الصحي عجزاً يُقدّر بنحو مليون قابلة، في وقت تؤكد فيه البيانات الدولية أن القابلات المؤهلات قادرات على تقديم ما يصل إلى 90% من خدمات صحة الأمومة الأساسية. كما يسهمن بشكل مباشر في تقليل نحو ثلثي وفيات الأمهات والمواليد حول العالم. على المستوى المحلي والإقليمي، فإن سد هذا النقص وتأهيل الكوادر الوطنية سيؤدي إلى تخفيف العبء عن أطباء التوليد، وتقليل التدخلات الطبية غير الضرورية، ورفع مؤشرات جودة الحياة للأم والطفل، وهو ما يتماشى تماماً مع أهداف برنامج تحول القطاع الصحي ضمن رؤية المملكة 2030.
خطوات نحو المستقبل: التعليم والوعي المجتمعي
اعتمدت الدراسة، التي حصلت على موافقة أخلاقية من جامعة الملك سعود، على مقابلات متعمقة مع 14 طالبة قبالة سعودية. وبيّنت النتائج أن إطلاق برامج بكالوريوس القبالة في المملكة عام 2020 يمثل خطوة استراتيجية مهمة نحو تطوير المهنة. ورغم امتلاك الطالبات دافعاً داخلياً قوياً لاختيار هذا التخصص، إلا أنهن يواجهن تحديات تتعلق بضعف التدريب السريري وقلة فرص التطبيق العملي. كما يصطدم هذا الشغف بضعف الوعي المجتمعي بدور القابلة والخلط بينها وبين تخصصات طبية أخرى. ولتجاوز ذلك، أوصت الدراسة بضرورة رفع الوعي المجتمعي، تعزيز التدريب، إنشاء عيادات تقودها القابلات، وتطوير سياسات صحية تضمن استقلالية المهنة، لبناء هوية مهنية واضحة تسهم في الارتقاء بجودة الرعاية الصحية.


