في خطوة دراماتيكية من شأنها إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية، عاد الحديث بقوة عن احتمالية انسحاب ترمب من الناتو، وذلك بعد تصريحات حادة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. جاءت هذه التهديدات على خلفية ما وصفه بفشل الحلفاء في دعم سياساته وتحركاته العسكرية، وتحديداً رفضهم إرسال سفن حربية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه.
السياق التاريخي للتوترات.. لماذا يطرح انسحاب ترمب من الناتو بجدية؟
لم تكن العلاقة بين دونالد ترمب وحلف شمال الأطلسي (الناتو) يوماً خالية من التوترات. فمنذ ولايته الرئاسية الأولى، تبنى ترمب مبدأ “أمريكا أولاً”، ووجه انتقادات لاذعة للدول الأعضاء في الحلف، متهماً إياهم بالاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية دون الالتزام بدفع حصتهم العادلة من الإنفاق الدفاعي والمقدرة بـ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا السياق، جدد ترمب هجومه الأخير واصفاً الناتو بأنه “نمر من ورق”، ومشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك هذه الحقيقة جيداً. وعند سؤاله عما إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في الحلف، أكد أن الأمر بات يتعدى مجرد إعادة النظر، مما يجعل التلويح بقرار انسحاب ترمب من الناتو خطراً حقيقياً يهدد تماسك التحالف الغربي التاريخي.
أزمة مضيق هرمز: شرارة الخلاف مع الحلفاء الأوروبيين
تصاعدت حدة الخلافات مؤخراً بعد رفض الدول الأوروبية الحليفة الانخراط المباشر في العمليات العسكرية التي تقودها واشنطن ضد إيران لتأمين مضيق هرمز. وقد وجه ترمب انتقادات لاذعة بشكل خاص لبريطانيا ورئيس وزرائها كير ستارمر، معتبراً أن البحرية الملكية البريطانية أصبحت “متقادمة” وغير قادرة على أداء مهامها بفعالية. وأشار ترمب بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وقفت دائماً إلى جانب أوروبا، بما في ذلك في الأزمة الأوكرانية التي اعتبرها “اختباراً” لم تقف فيه أوروبا إلى جانب واشنطن بالمقابل. وفي تصعيد لافت، دعا ترمب الدول الأوروبية إلى حماية مصالحها النفطية في مضيق هرمز بنفسها، مؤكداً أن واشنطن لن تقدم المساعدة لمن يرفض التعاون معها.
التداعيات الإقليمية والدولية لإعادة تقييم العلاقات الأطلسية
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي وتُنذر بتغييرات جذرية. فمن جهة، صرح ماركو روبيو، مرشح ترمب لوزارة الخارجية، بأن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة تقييم عضويتها في الناتو، مشيراً إلى أنه من غير المنطقي أن تدافع واشنطن عن أوروبا في حين تُمنع من استخدام القواعد الأوروبية عند الحاجة. إن أي خطوة فعلية نحو تقليص الدور الأمريكي أو الانسحاب من معاهدة الدفاع المشترك ستؤدي إلى زلزال جيوسياسي؛ محلياً ستثير جدلاً واسعاً داخل المؤسسات الأمريكية، وإقليمياً ستدفع أوروبا نحو تسريع بناء منظومة دفاعية أوروبية موحدة ومستقلة. أما دولياً، فإن هذا التصدع سيمنح قوى كبرى مثل روسيا والصين مساحة استراتيجية أوسع للتحرك وتوسيع النفوذ، فضلاً عن تأثيره المباشر والمقلق على أمن إمدادات الطاقة العالمية المارة عبر منطقة الشرق الأوسط.


