كشفت تقارير صحفية مبنية على تسريبات استخباراتية أمريكية وغربية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بالوضع الداخلي في طهران، حيث أكدت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الضربات المتتالية وحالة الحرب قد أدت إلى شلل شبه تام في منظومة القرار الإيراني. وأوضحت المصادر أن تصفية العشرات من قيادات الصفين الأول والثاني منذ بداية التصعيد العسكري قد أحدثت انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية، مما عقد قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة أو تنسيق هجمات واسعة النطاق، وجعل من مهمة فريق التفاوض مع الولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق أمراً بالغ الصعوبة.
السياق التاريخي لتعقيدات منظومة القرار الإيراني
لفهم حجم الضرر الذي لحق بالهيكل القيادي، يجب النظر إلى طبيعة منظومة القرار الإيراني التي تأسست عقب ثورة عام 1979. تعتمد هذه المنظومة تاريخياً على توازن دقيق ومعقد بين المؤسسات الدينية المتمثلة في المرشد الأعلى، والمؤسسات العسكرية والأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى الحكومة المدنية. هذا التداخل كان يهدف إلى حماية النظام من الانهيار، لكنه في أوقات الأزمات الكبرى يتطلب تواصلاً مباشراً وتنسيقاً عالياً. ومع استهداف مجمع القيادة واغتيال شخصيات محورية في الأمن القومي، انقطعت الروابط الحيوية بين صناع القرار العسكريين والمدنيين، مما أدى إلى فقدان البوصلة الاستراتيجية التي كانت توجه سياسات طهران لعقود.
أزمة التواصل وهاجس الاختراق الأمني
أشارت التسريبات إلى أن القادة الإيرانيين المتبقين يواجهون صعوبات غير مسبوقة في التواصل. فقد أصبحوا غير قادرين على عقد اجتماعات حضورية خوفاً من استهدافهم بضربات جوية، كما تسيطر عليهم حالة من الارتياب والارتباك خشية اعتراض أجهزة الاستخبارات الأمريكية أو الإسرائيلية لمكالماتهم ورسائلهم. ورغم استمرار عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية ظاهرياً، إلا أن قدرة الحكومة على التخطيط لاستراتيجيات جديدة قد تراجعت بشكل ملحوظ. وفي محاولة لتدارك الموقف، كشف مسؤول استخباراتي أن طهران أنشأت نظام قيادة لامركزي يسمح للقادة المحليين باتخاذ قرارات هجومية مستقلة دون العودة إلى العاصمة، ورغم ذلك، جاءت الهجمات أقل حجماً وفعالية مما كان متوقعاً.
التداعيات الإقليمية والدولية لتوسع نفوذ الحرس الثوري
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا التخبط تأثيرات واسعة النطاق. يعتقد مسؤولون أمريكيون أن المتشددين داخل الحرس الثوري باتوا أكثر نفوذاً، ممارسين سلطة تفوق القيادة الدينية. هذا التحول ينذر بتغيير في طريقة إدارة طهران لشبكة وكلائها في الشرق الأوسط، مما قد يزيد من حالة عدم الاستقرار الإقليمي. دولياً، ينعكس هذا الخلل على طاولة المفاوضات؛ حيث تفتقر القيادات المتعددة والمتنافسة إلى رؤية موحدة حول التنازلات الممكنة. وقد برز ذلك جلياً في تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعرب عن إحباطه من «الرسائل المتضاربة» للمفاوضين الإيرانيين، مشيراً إلى أنهم يتوسلون لعقد صفقة بينما يعلنون عكس ذلك علناً، وهو ما يعكس، بحسب التقييمات الاستخباراتية، عجز الحكومة الحالية عن تنسيق رد سياسي أو دبلوماسي متماسك.
مستقبل غامض تحت وطأة الضغوط
تضيف التقارير أن هناك غموضاً يكتنف مدى سيطرة القيادات الجديدة على مقاليد الحكم، خاصة مع التساؤلات حول الحالة الصحية للمرشد الأعلى وغيابه عن المشهد العلني في فترات حرجة. ويرجح المراقبون أن إيران قد تجد نفسها مجبرة على التوجه نحو عقد صفقة تسوية عندما تتفاقم الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب والعقوبات إلى حد لا يمكن تحمله. وحتى ذلك الحين، تبقى مؤسسات صنع القرار في طهران أسيرة للشكوك الداخلية والتهديدات الخارجية، مما يضع مستقبل سياساتها في مهب الريح.


