كشفت تقارير حديثة عن مناقشات سرية ومكثفة داخل الأروقة السياسية والعسكرية الأمريكية حول إمكانية تنفيذ عملية الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني، وهي خطوة غير مسبوقة قد يلجأ إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ووفقاً لما أفادت به صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد صرح ترمب في جلسات خاصة بأن السيطرة على هذه المواد المشعة عبر عملية عسكرية دقيقة قد تكون المفتاح لإنهاء النزاع بحلول منتصف شهر أبريل المقبل، دون التسبب في إطالة أمد الحرب بشكل كبير.
السياق التاريخي لأزمة البرنامج النووي الإيراني
لفهم جذور هذا التوجه، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. فقد تصاعدت أزمة البرنامج النووي الإيراني بشكل ملحوظ منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب. ومنذ ذلك الحين، تخلت طهران تدريجياً عن التزاماتها، ورفعت نسب التخصيب إلى مستويات غير مسبوقة. وقبل اندلاع التوترات الإقليمية الأخيرة في يونيو من العام الماضي، أشارت التقديرات إلى امتلاك طهران أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، ونحو 200 كيلوغرام مخصبة بنسبة 20%. هذه الكميات تعتبر حساسة للغاية، إذ يمكن تحويلها بسهولة إلى يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وهي النسبة المطلوبة لتصنيع الأسلحة النووية، مما جعل كبح هذا البرنامج أولوية قصوى للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
تفاصيل خطة الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني والتحديات اللوجستية
يعتقد مسؤولون أمريكيون أن ترمب يدرس بجدية حجم الخطر الذي قد تتعرض له القوات الأمريكية في حال تنفيذ خطة الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني، لكنه لا يزال منفتحاً على الفكرة لتحقيق هدفه الأساسي المتمثل في منع طهران من صنع سلاح نووي. الخطة تستهدف استخراج نحو 1000 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب من الداخل الإيراني. وقد شجع ترمب مستشاريه على الضغط على إيران لتسليم هذه المواد كشرط لإنهاء الحرب، مع التلويح باستخدام القوة إذا رفضت طهران ذلك عبر المفاوضات.
من الناحية العسكرية، حذر ضباط أمريكيون سابقون وخبراء استراتيجيون من أن هذه الخطوة ستكون معقدة وخطيرة للغاية. وأوضح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، أن اليورانيوم يتركز بشكل رئيسي في منشآت محصنة، أبرزها نفق تحت الأرض في مجمع أصفهان ومستودع في نطنز. ستحتاج القوات الأمريكية إلى الطيران تحت نيران الصواريخ الإيرانية المضادة للطائرات والطائرات المسيرة. وبمجرد الهبوط، سيتعين تأمين المحيط، واستخدام مهندسين مزودين بمعدات حفر ثقيلة لاختراق التحصينات، والبحث عن الألغام والفخاخ المتفجرة.
تتطلب العملية نشر فرق نخبة من العمليات الخاصة مدربة على التعامل مع المواد المشعة. ومن المحتمل أن يكون اليورانيوم محفوظاً داخل 40 إلى 50 أسطوانة خاصة، مما يستدعي نقلها في حاويات مخصصة للحماية من الحوادث، وهو ما قد يملأ عدة شاحنات. وفي غياب مدرج طيران مناسب، قد تضطر القوات لإنشاء مدرج بديل مؤقت. وفي هذا السياق، أكد الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية، أن “هذه ليست عملية سريعة يمكن الدخول فيها والخروج منها مباشرة”، بل قد تستغرق أياماً أو أسابيع.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي تحرك عسكري
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة بالنظر إلى تأثيرها المتوقع على المستويين الإقليمي والدولي. إقليمياً، ترى إسرائيل أن إنهاء الحرب دون التخلص من اليورانيوم المخصب في إيران يعد فشلاً ذريعاً. ونقلت القناة الـ12 الإسرائيلية عن مسؤولين أن تل أبيب تبحث عن نصر مطلق لا يتأتى إلا بالقضاء التام على القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. في المقابل، يرى خبراء عسكريون أن أي محاولة أمريكية للتدخل المباشر ستستجلب رداً إيرانياً عنيفاً، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتوسعها لتشمل جبهات متعددة في الشرق الأوسط، متجاوزة الإطار الزمني الذي حدده ترمب والبالغ من 4 إلى 6 أسابيع.
دولياً، من شأن أي تصعيد عسكري بهذا الحجم أن يلقي بظلاله على أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة، فضلاً عن إثارة قلق القوى الكبرى. إن قراراً بهذا الحجم لا يمثل مجرد عملية تكتيكية، بل هو تحول استراتيجي قد يعيد رسم خريطة التحالفات وتوازن القوى في العالم بأسره، ويضع المنطقة على شفا صراع غير مسبوق.


