في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، كشف القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الجنرال المتقاعد فرانك ماكينزي، عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق بالاستراتيجية العسكرية لواشنطن. وأكد ماكينزي أن الولايات المتحدة تمتلك منذ سنوات عديدة خططاً عسكرية دقيقة ومفصلة للتعامل مع أي تصعيد محتمل، بما في ذلك سيناريوهات التدخل البري في إيران، بهدف السيطرة على مواقع استراتيجية حيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يعد شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي.
الجذور التاريخية للتوترات الأمريكية الإيرانية في الخليج
لم تكن هذه الخطط وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من التوتر بين واشنطن وطهران منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وما تلاها من حرب الناقلات في الثمانينيات. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز مسألة أمن قومي لا مساومة فيها. وقد دفعت التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق المضيق، وتطوير طهران لترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى تحديث خططها باستمرار لضمان التفوق الاستراتيجي في المنطقة.
استراتيجية التفوق الجوي وتحييد التهديدات
وفي مقابلة حديثة مع شبكة “سي بي إس نيوز” الأمريكية، أوضح ماكينزي أن العمليات العسكرية الجارية حالياً ليست عشوائية، بل تنبثق من خطة استراتيجية قائمة منذ سنوات. ترتكز هذه الخطة في مرحلتها الحالية على فرض تفوق جوي أمريكي دائم فوق جنوب إيران. ويتزامن ذلك مع تنفيذ عمليات رصد دقيقة واستهداف مكثف لمواقع الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة، والتي تمثل التهديد الأبرز لحركة السفن التجارية والعسكرية. الهدف الأساسي من هذه التحركات هو إضعاف قدرات طهران العسكرية والوصول بها إلى “مستوى منخفض للغاية”، مما يمهد الطريق لعمليات أكثر تعقيداً، مثل التوغل البحري للبحث عن الألغام التي قد تكون إيران قد زرعتها في المضيق، وهو سلوك يتوافق مع تكتيكاتها العسكرية المعتادة.
خيارات التدخل البري في إيران والسيطرة على الجزر
ورداً على التساؤلات حول مدى جاهزية القوات الأمريكية لتنفيذ هذه السيناريوهات، أكد ماكينزي أنه أشرف شخصياً خلال فترة قيادته على محاكاة متكررة لهذه الخطط. وأشار إلى أن الأداء العملياتي الحالي يتفوق قليلاً على التوقعات التي أفرزتها تلك المحاكاة. وفيما يخص إمكانية استخدام القوات البرية، كشف الجنرال المتقاعد أن خيارات التدخل البري في إيران تتضمن تنفيذ عمليات إنزال تكتيكية للسيطرة على جزر أو قواعد صغيرة على طول الساحل الإيراني. وغالباً ما تُصمم هذه العمليات كمداهمات مؤقتة تنتهي بانسحاب مخطط له، إلا أنها قد تتطور إلى سيطرة ممتدة إذا اقتضت الضرورة. وضرب ماكينزي مثالاً بجزيرة “خارك” الاستراتيجية، التي تعد العصب الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. السيطرة على هذه الجزيرة من شأنها أن تشل الاقتصاد النفطي الإيراني بالكامل دون الحاجة لتدمير البنية التحتية، مما يمنح واشنطن ورقة ضغط تفاوضية هائلة، ويشكل ضربة “مهينة للغاية” لطهران.
التداعيات الإقليمية والدولية للتحركات العسكرية
إن التلويح بخيارات عسكرية متقدمة يحمل في طياته تداعيات واسعة النطاق. على المستوى الإقليمي، يبعث هذا الكشف برسالة طمأنة لحلفاء واشنطن في الخليج بالتزام الولايات المتحدة بحماية أمن المنطقة وضمان تدفق إمدادات الطاقة. أما على المستوى الدولي، فإن تأمين مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، يعد أمراً حيوياً لاستقرار الأسواق العالمية وتجنب أزمات اقتصادية طاحنة.
الأهداف النهائية: الردع والدبلوماسية
واختتم ماكينزي تصريحاته بالتأكيد على أن الهدف الأسمى للولايات المتحدة يظل ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، إلى جانب إجبار طهران على التوصل إلى تفاهمات ملزمة بشأن برنامجيها الصاروخي والنووي. ومن منظور عسكري، يرى ماكينزي أن تحقيق هذه الأهداف يمثل “أقصى ما يمكن الوصول إليه”، مؤكداً أن هذه النتائج لا تزال في متناول اليد، شريطة استمرار الضغط العسكري الصارم على إيران لردع أي مغامرات غير محسوبة.


