حذرت تقارير دولية، أبرزها ما نشرته وكالة «بلومبيرغ»، من أن التصعيد المستمر والعمليات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية الموجهة ضد إيران قد تدفع العالم بأسره نحو جولة جديدة وخطيرة من سباق التسلح النووي. هذا التصعيد لا يقتصر تأثيره على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل يمتد ليثير قلقاً عالمياً بشأن مستقبل الأمن الدولي ومعاهدات حظر الانتشار النووي.
جذور التوترات وتاريخ الانتشار النووي
لم تكن المخاوف من اندلاع سباق تسلح جديدة وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى حقبة الحرب الباردة عندما تنافست القوى العظمى على تكديس أسلحة الدمار الشامل. تاريخياً، شكلت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) حجر الزاوية في الحفاظ على الاستقرار العالمي منذ أواخر الستينيات. ومع ذلك، فإن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة اليوم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط المشتعلة، تعيد إحياء هذه المخاوف القديمة. إن انهيار بعض الاتفاقيات الثنائية السابقة بين القوى الكبرى، وتزايد انعدام الثقة، يمهد الطريق أمام دول أخرى للتفكير في بناء ترساناتها الخاصة كضمانة أمنية في عالم يتسم بالتقلبات السريعة.
وفي ظل هذه التغيرات، بدأت نقاشات علنية غير مسبوقة تطفو على السطح حول الحاجة لامتلاك أسلحة نووية. ووفقاً للوكالة، فإن حكومات تمتد من شمال المحيط الأطلسي إلى غرب المحيط الهادئ باتت تناقش بشكل متزايد وصريح ضرورة امتلاك ترسانات نووية خاصة بها. واللافت للنظر أن بعض الدول الأوروبية التي كانت تكتفي سابقاً بالاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، وتحديداً بولندا وألمانيا، أصبحت ترحب علانية بنية فرنسا توسيع مظلتها النووية لتشمل القارة الأوروبية بأكملها، مما يعكس تراجع الثقة في الضمانات الأمنية التقليدية.
التداعيات الإقليمية والدولية لعودة سباق التسلح النووي
إن عودة سباق التسلح النووي إلى الواجهة يحمل تداعيات عميقة على كافة الأصعدة. إقليمياً، قد يؤدي سعي أي دولة في الشرق الأوسط لامتلاك قدرات نووية عسكرية إلى تأثير «الدومينو»، حيث ستسعى الدول المجاورة للحصول على قدرات مماثلة لحماية أمنها القومي، مما يحول المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم العالمي. أما على الصعيد الدولي، فإن هذا التوجه يضعف من سلطة المؤسسات الدولية ويقوض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى نزع السلاح.
ولفتت الوكالة الانتباه إلى تطور خطير آخر، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعد الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت الأسلحة النووية ضد المدنيين، تدرس حالياً إمكانية استئناف التجارب النووية. من جانبه، أطلق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، تحذيرات شديدة اللهجة، مشيراً إلى أن احتمال امتلاك أسلحة الدمار الشامل يُناقش علناً حتى في الدول التي تعهدت بعدم امتلاكها مطلقاً. وأكد غروسي أن انتشار المزيد من الأسلحة النووية لن يجعل العالم مكاناً أكثر أماناً، مشدداً على ضرورة التمسك بمعايير عدم الانتشار النووي التي خدمت البشرية على مدى نصف القرن الماضي.
الترسانة الصينية ومستقبل الحد من التسلح
وفي سياق متصل بالتحولات العالمية، سلطت مسودة تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الضوء على طموحات الصين العسكرية المتزايدة. وكشفت الوثيقة أن بكين قامت على الأرجح بتحميل ما يربو على 100 صاروخ باليستي عابر للقارات في أحدث ثلاثة مواقع إطلاق أنشأتها مؤخراً. ورغم أن الصين تؤكد التزامها باستراتيجية نووية دفاعية بحتة وتنتهج سياسة عدم المبادرة باستخدام الأسلحة النووية، إلا أن التقرير أشار إلى عدم رغبتها في الانخراط في محادثات للحد من التسلح.
وسبق أن أبدت الإدارة الأمريكية رغبتها في استئناف تجارب الأسلحة النووية أو العمل على خطة شاملة لنزع السلاح النووي بالتعاون مع الصين وروسيا، لكن مسودة البنتاغون التي اطلعت عليها وكالة رويترز أوضحت أن بكين لا تبدو مهتمة بهذا المسار في الوقت الراهن، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي ويؤكد المخاوف من دخول العالم في حقبة تسلح جديدة.


