في خضم التوترات المتصاعدة التي يشهدها الشرق الأوسط، ومع تعثر المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، تبرز على السطح سيناريوهات عسكرية معقدة. فقد كشفت مصادر أمريكية مطلعة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد وضعت على طاولتها خيارات حاسمة للتعامل مع التهديدات الإيرانية. تتراوح هذه الخيارات بين توجيه ضربات عسكرية دقيقة، أو تنفيذ توغل بري محدود يهدف إلى احتلال جزر استراتيجية. وتعتبر هذه الجزر بمثابة مفتاح السيطرة على مضيق هرمز، الممر المائي الأهم عالمياً، والذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
الجذور التاريخية لصراع النفوذ وأمن الملاحة البحرية
لم يكن التوتر في هذه المنطقة المائية وليد اللحظة، بل يمتد لعقود من الزمن. تاريخياً، شهدت مياه الخليج العربي ما عُرف بـ “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث سعت طهران حينها إلى تهديد الملاحة الدولية للضغط على القوى العالمية. هذا السياق التاريخي يفسر الحساسية البالغة التي توليها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لأي تحركات عسكرية بالقرب من الممرات المائية. إن ضمان حرية الملاحة في هذه المنطقة ليس مجرد مسألة أمنية إقليمية، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشدة على تدفق النفط والغاز دون انقطاع.
جزيرة خارك.. القلب النابض للاقتصاد الإيراني
من بين الأهداف البارزة في أي عملية عسكرية محتملة تبرز “جزيرة خارك” الواقعة شمال الخليج العربي، على بُعد نحو 30 كيلومتراً من السواحل الإيرانية. تكمن أهمية هذه الجزيرة في كونها تضم أكبر الموانئ النفطية، حيث توفر حوالي 90% من صادرات إيران من النفط الخام، وذلك وفقاً لتقارير مصرف “جاي بي مورغان” الأمريكي. وقد تعرضت الجزيرة في مارس الماضي لغارات جوية وصفها ترمب بأنها من “الأقوى في تاريخ الشرق الأوسط”، والتي أسفرت عن تدمير أهداف عسكرية مع تجنب البنى التحتية الصناعية عمداً. وتعتبر الجزيرة مصدر دخل حيوي للحرس الثوري الإيراني، ورغم التخطيط للسيطرة عليها، إلا أن انتشار المنشآت النفطية يجعل من العمليات العسكرية المباشرة تحدياً معقداً، رغم تأكيدات البيت الأبيض بقدرة الجيش الأمريكي على تحييدها.
مواقع حيوية تعزز السيطرة على مضيق هرمز
إلى جانب خارك، تلعب جزيرة “لارك” دوراً محورياً نظراً لموقعها الاستراتيجي في أضيق نقطة من الممر المائي. تُعد لارك منذ عام 1987 موقعاً رئيسياً لتصدير النفط وتضم قاعدة عسكرية إيرانية. في الآونة الأخيرة، ارتبط اسم الجزيرة بمسارات ملاحية يرجح أن الحرس الثوري خصصها لفرض رسوم عبور باهظة على السفن التجارية. وعلى مقربة منها تقع جزيرة “قشم”، أكبر جزر الخليج بامتداد يبلغ نحو 100 كيلومتر. ورغم طابعها السياحي وتراثها الجيولوجي المصنف من قبل اليونسكو، إلا أن موقعها وميناءها الرئيسي يجعلها نقطة ارتكاز لوجستية هامة بالقرب من لارك وهرمز.
الجزر المتنازع عليها والتأثيرات الإقليمية والدولية المتوقعة
لا يقتصر المشهد على الجزر الإيرانية الخالصة، بل يمتد ليشمل الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى) التي تحتلها إيران. وقد حذر خبراء، من بينهم مدير البحث في المؤسسة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية بيار رازو، من أن هذه الجزر، بالإضافة إلى جزيرة سيري، تحولت إلى حصون عسكرية مزودة بصواريخ مضادة للسفن. وشبّه رازو هذه الجزر بجزيرة “تاراوا” في المحيط الهادئ التي شهدت معارك طاحنة عام 1943. إن أي تصعيد عسكري أو محاولة أمريكية للسيطرة على هذه الجزر لمنع استخدامها هجومياً، سيكون له تأثير زلزال على المستويين الإقليمي والدولي. فمحلياً وإقليمياً، قد يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهات مسلحة واسعة النطاق تهدد أمن دول الجوار، أما دولياً، فإن أي إعاقة لحركة السفن ستؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة، مما يهدد بركود اقتصادي عالمي، وهو ما يفسر الحذر الشديد في حسابات واشنطن العسكرية.


