في تطور أمني وعسكري لافت يعكس حجم التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط، أكدت وسائل إعلام رسمية إيرانية، اليوم الجمعة، خبر مقتل نائب رئيس الاستخبارات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، بهنام رضائي. يأتي هذا التأكيد الرسمي بعد ساعات قليلة من إعلان إسرائيل، أمس الخميس، مسؤوليتها عن اغتياله. وقد تزامنت هذه العملية المعقدة مع مقتل قائد القوات البحرية، الأدميرال علي رضا تنكسيري، إثر غارات جوية عنيفة استهدفت منشآت حيوية في مدينة بندر عباس جنوبي إيران، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من التصعيد العسكري.
السياق التاريخي وراء مقتل نائب رئيس الاستخبارات البحرية
لا يمكن فصل مقتل نائب رئيس الاستخبارات البحرية عن السياق العام للخلفية التاريخية المتمثلة في “حرب الظل” الممتدة منذ سنوات بين طهران وتل أبيب. فقد شهدت العقود الماضية استهدافاً متبادلاً في البر والبحر، حيث ركزت إسرائيل استراتيجيتها على تقويض القدرات العسكرية والاستخباراتية للحرس الثوري الإيراني، خاصة تلك المتعلقة بأمن الملاحة وتطوير الأسلحة البحرية. وتعتبر القوة البحرية الإيرانية ذراعاً استراتيجياً لطهران لبسط نفوذها في مياه الخليج العربي وبحر عمان، مما يجعل قياداتها أهدافاً رئيسية في بنك الأهداف الإسرائيلي، بهدف تحييد أي تهديد محتمل للمصالح الإسرائيلية وحلفائها في المنطقة.
غياب المرشد الأعلى: تدابير أمنية مشددة أم أزمة سيطرة؟
في ظل هذه الضربات المتلاحقة، برزت تساؤلات عديدة حول غياب المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني. وفي هذا السياق، عزا ممثل إيران لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف، علي بحريني، هذا الغياب إلى اعتبارات أمنية بحتة، واصفاً الحالة الصحية للمرشد بأنها “جيدة تماماً” وأنه يمارس مهامه في إدارة شؤون البلاد. ودعماً لهذا الموقف، صرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في مقابلة مع قناة “إنديا توداي” التلفزيونية بأن مؤسسات الدولة تعمل بكفاءة، وأن القوات المسلحة تنفذ خطط الدفاع الإيرانية بانسجام تام، مؤكداً على وحدة الشعب في مواجهة العدوان.
على الجانب الآخر، تتقاطع هذه التصريحات الرسمية مع أحدث التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية والأمريكية التي نقلتها قناة “i24NEWS”. حيث تشير تلك التقديرات إلى أن مجتبى خامنئي ربما يكون قد تعرض لإصابة، وأنه يخضع لسيطرة ونفوذ قادة الحرس الثوري الإيراني بدلاً من أن يكون هو المتحكم الفعلي في مقاليد الحكم. وتضيف التقييمات الغربية أن مستوى الحكم الذي يمارسه المرشد الجديد يُعد ضعيفاً ولا يقارن بالقبضة الحديدية التي كان يتمتع بها والده الراحل، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل هيكل السلطة في طهران.
التأثير المتوقع للحدث على المشهد الإقليمي والدولي
تكتسب هذه التطورات أهمية قصوى نظراً لتأثيرها المباشر على الأمن الإقليمي والدولي. فقد توعد نجل خامنئي في أول رسالة مكتوبة له بثها التلفزيون الرسمي بـ “الثأر للقادة” ومواصلة المواجهة الشاملة ضد إسرائيل والولايات المتحدة. ولم تقتصر التهديدات على الجانب العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي؛ حيث دعا القوات الإيرانية إلى مواصلة إغلاق مضيق هرمز الحيوي. ويُعد هذا المضيق شرياناً رئيسياً للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يعني أن أي تعطيل للملاحة فيه سيؤدي إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
تتزامن هذه التهديدات الإيرانية مع تصعيد إسرائيلي غير مسبوق، حيث هددت تل أبيب بتصفية كافة قادة النظام الإيراني. ويأتي هذا التهديد بعد سلسلة من الاغتيالات التي طالت شخصيات بوزن المرشد السابق علي خامنئي، وقائد القوات البرية في الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس أركان القوات المسلحة عبدالرحيم موسوي، بالإضافة إلى وزير الدفاع عزيز نصير زاده وعشرات القادة والضباط. إن هذا المشهد المعقد ينذر بتغييرات جيوسياسية عميقة قد تعيد رسم خريطة التحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط بأسره.


