تتجه الأنظار نحو التطورات الأخيرة التي تسبق محادثات الهدنة الأمريكية الإيرانية، حيث أفادت تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، بأن طهران تشترط على الولايات المتحدة تقليص مطالبها الواردة في «خطة الـ 15 نقطة» قبل الموافقة النهائية على عقد أي اجتماع رسمي لبحث وقف محتمل لإطلاق النار. ورغم انفتاح القيادة الإيرانية على مبدأ الحوار، إلا أنها تعتبر المقترح الأمريكي الحالي مبالغاً فيه بشكل كبير.
تفاصيل المقترح الأمريكي والموقف الإيراني
يتضمن المقترح الأمريكي شروطاً قاسية من وجهة النظر الإيرانية، أبرزها المطالبة بتفكيك الجزء الأكبر من البرنامج النووي الإيراني، وإنهاء الدعم العسكري والمالي الذي تقدمه طهران لحلفائها والفصائل الموالية لها في منطقة الشرق الأوسط، بالإضافة إلى فرض قيود صارمة ومشددة على برنامجها الصاروخي الباليستي. وفي هذا السياق، نقلت مصادر مطلعة عن مسؤولين إيرانيين وعرب تأكيدهم أن طهران استبعدت تماماً مناقشة برنامجها الصاروخي كنقطة انطلاق لأي مفاوضات قادمة. كما ترفض إيران تقديم التزام نهائي بوقف تخصيب اليورانيوم بشكل دائم، معتبرة ذلك خطاً أحمر.
السياق التاريخي لانهيار الثقة بين واشنطن وطهران
لا يمكن فهم التعقيدات التي تحيط بمسار التفاوض الحالي دون العودة إلى السياق التاريخي للعلاقات بين البلدين، وتحديداً منذ انسحاب الولايات المتحدة الأحادي من الاتفاق النووي في عام 2018. منذ ذلك الحين، تصاعدت التوترات بشكل غير مسبوق، ولجأت طهران إلى تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم وتوسيع نفوذها الإقليمي كرد فعل على العقوبات الاقتصادية الخانقة. هذا الإرث من انعدام الثقة يجعل من الصعب على طهران قبول مقترحات جديدة دون الحصول على ضمانات دولية ملزمة، وهو ما يفسر طلبها الحالي بوجود طرف ثالث يضمن عدم تعرضها لهجمات مستقبلية من قبل واشنطن أو إسرائيل.
شروط طهران والبحث عن ضمانات أمنية
شددت طهران من موقفها التفاوضي بشكل ملحوظ عقب اندلاع الصراعات الأخيرة في المنطقة. وتطالب القيادة الإيرانية بضمانات أمنية صريحة تمنع أي عمل عسكري ضد أراضيها في المستقبل، إلى جانب المطالبة بتعويضات عن الخسائر التي لحقت بها، والاعتراف بسيادتها الرسمية على مضيق هرمز الاستراتيجي. ورغم هذا التشدد، أبدى مسؤولون إيرانيون استعداداً مبدئياً للنظر في قيود سابقة طُرحت على البرنامج النووي، مثل تخفيف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وقد وصف مسؤول إيراني رفيع المستوى المقترح الأمريكي بأنه «أحادي الجانب وغير عادل»، مشيراً إلى أن الدبلوماسية لم تتوقف رغم غياب خطة واقعية للسلام حتى اللحظة، وأن المقترح الذي نُقل عبر إسلام آباد يخضع لمراجعة دقيقة من قبل القيادة الإيرانية.
الأبعاد الإقليمية والدولية لنجاح محادثات الهدنة الأمريكية الإيرانية
تحمل محادثات الهدنة الأمريكية الإيرانية أهمية استراتيجية بالغة تتجاوز حدود البلدين لتشمل الأمن الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، من شأن التوصل إلى تفاهمات أن يهدئ من حدة التوترات المشتعلة في الشرق الأوسط، ويقلل من احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة. أما على الصعيد الدولي، فإن استقرار المنطقة سينعكس إيجاباً على أمن الملاحة البحرية في الممرات المائية الحيوية، مما يضمن استقرار أسعار الطاقة العالمية. وفي هذا الإطار، تلعب دول وسيطة مثل باكستان دوراً محورياً في نقل الرسائل. وقد أكد مسؤولون أمريكيون، من بينهم ماركو روبيو والمبعوث ستيف ويتكوف، أن هناك اتصالات ومحادثات «قوية وإيجابية» تجري عبر قنوات خلفية بهدف إنهاء الصراع سلمياً، مستفيدين من المعطيات الراهنة لدفع عجلة الدبلوماسية إلى الأمام.


