تشهد عروس البحر الأحمر إقبالاً سياحياً وجماهيرياً منقطع النظير خلال فترة الأعياد، حيث يتفاعل الزوار بشغف كبير مع فعاليات واجهة جدة البحرية، التي تقدم باقة واسعة ومتنوعة من الأنشطة التفاعلية، والألعاب الشعبية، والأهازيج التراثية الأصيلة. وقد أقيمت هذه الفعاليات الثقافية والترفيهية المميزة في منطقة “البروميناد”، مسجلة حضوراً لافتاً يعكس مدى تعطش المجتمع والزوار للفعاليات التي تربط الحاضر المشرق بالماضي الجميل.
وتوافدت العائلات والسياح إلى منطقة الاحتفالات للاستمتاع بأجواء العيد الاستثنائية والمبهجة. وشملت البرامج المقدمة مجموعة متنوعة من الأنشطة الترفيهية التي تناسب كافة الأعمار، من بينها ألعاب مخصصة للأطفال، ومسابقات حركية، وبرامج ثقافية تفاعلية. وإلى جانب ذلك، استمتع الحضور بعروض مميزة من المطاعم والمقاهي المحلية والعالمية، وخيارات متعددة من وسائل الترفيه الحديثة، مما منح الزوار تجربة سياحية متكاملة تجمع بين متعة العصر الحديث وأصالة الماضي العريق.
عبق الماضي والتراث الحجازي في فعاليات واجهة جدة البحرية
تفاعل الجمهور بشكل لافت مع تجسيد المهن القديمة التي تشكل جزءاً أصيلاً من التراث السعودي، والحجازي على وجه الخصوص، ضمن فعاليات واجهة جدة البحرية. تميزت هذه العروض الحية بالاعتماد على المهارة اليدوية التي كانت تلبي الاحتياجات اليومية المباشرة في الزمن القديم. ومن أبرز هذه المهن التي عادت للحياة أمام أنظار الزوار: بائع الأقمشة المتجول المعروف بـ “فرّقنا”، و”المسحراتي” الذي يرتبط بوجدان المسلمين في المواسم الدينية، إضافة إلى الحداد، والحائك (السدو)، والخراز، والسقا، وبائعي الحلوى المتجولين، ومعلمي الكتاتيب. لقد مثلت هذه المهن عصب الحياة الاجتماعية والاقتصادية في أزمنة مضت، وعودتها اليوم تمثل جسراً ثقافياً للتواصل بين الأجيال.
الجذور التاريخية لمدينة جدة وبوابة الحرمين
لفهم القيمة العميقة لهذه العروض التراثية، يجب النظر إلى السياق التاريخي لمدينة جدة العريقة. تاريخياً، تُعد جدة البوابة الرئيسية للحرمين الشريفين وميناءً تجارياً حيوياً استقبل قوافل الحجاج والتجار من شتى بقاع الأرض منذ مئات السنين. هذا الموقع الجغرافي والاستراتيجي جعل من المجتمع الحجازي بوتقة تنصهر فيها الثقافات المتنوعة، مما أفرز تراثاً إنسانياً غنياً. مهنة “فرّقنا”، على سبيل المثال، لم تكن مجرد عملية بيع وشراء للأقمشة، بل كانت وسيلة لنقل الأخبار والتواصل الاجتماعي بين حارات جدة القديمة (البلد) التي صُنفت ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو. أما “المسحراتي”، فهو رمز روحاني واجتماعي ارتبط بشهر رمضان المبارك والأعياد، حيث كان يجوب الأزقة العتيقة بأهازيجه التي تبعث الطمأنينة في النفوس. إعادة إحياء هذه المشاهد في العصر الحديث تعيد ربط الإنسان السعودي بجذوره التاريخية العميقة وتعرف الزائر الأجنبي بعمق هذه الثقافة.
الأثر الثقافي والاقتصادي لإحياء الموروث الشعبي
لا تقتصر أهمية هذه المهرجانات على الجانب الترفيهي فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات استراتيجية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تساهم هذه الأنشطة في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الشابة، وتعريفهم بكفاح الأجداد وبساطة حياتهم، كما تدعم الاقتصاد المحلي من خلال تنشيط قطاع السياحة الداخلية وتوفير فرص عمل للشباب والحرفيين المشاركين في التنظيم. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن إبراز هذا التراث يتماشى بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية رائدة. من خلال تقديم الثقافة السعودية بقالب تفاعلي وجذاب، يتم جذب السياح الأجانب الذين يبحثون عن تجارب ثقافية أصيلة. هذا الانفتاح الثقافي يعزز من القوة الناعمة للمملكة، ويبرز جدة كمدينة عالمية تحتفي بتراثها الإنساني العريق.
ويعيش الحضور في منطقة “بروميناد جدة” عروضاً مليئة بالحيوية والتنوع، إذ امتزجت الأنشطة التفاعلية بين الألعاب الشعبية والأهازيج التراثية والأسواق القديمة في لوحة نابضة بالحياة. وفيما يتجول الزوار في الحارات والشوارع التي صُممت بعناية فائقة داخل البروميناد، تنعكس أمامهم روح وأصالة أبرز معالم المدينة القديمة، لتظل جدة دائماً وأبداً مدينة استثنائية تجمع بين سحر الماضي وإشراقة المستقبل، وتقدم نموذجاً يحتذى به في الحفاظ على التراث مع مواكبة التطور العمراني والسياحي.


