صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته الهجومية المعتادة ضد خصومه السياسيين، معتبراً أن العدو الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن هو اليسار الراديكالي والحزب الديمقراطي الذي وصفه بأنه عديم الكفاءة. جاءت هذه التصريحات المثيرة للجدل بعد إشارته إلى ما أسماه موت إيران، لتسلط الضوء مجدداً على حالة الاستقطاب السياسي الحاد التي تعيشها البلاد، خاصة في ظل الخلافات العميقة حول تمويل وزارة الأمن الداخلي والإغلاق الحكومي الجزئي بسبب نفاد التمويل.
جذور الصراع بين ترمب و الحزب الديمقراطي
تعود جذور هذا الصراع المحتدم إلى سنوات حكم ترمب، حيث اتسمت العلاقة بين إدارته والحزب الديمقراطي بالتوتر المستمر والصدامات المباشرة. من أبرز محطات هذا الخلاف كانت أزمة الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، والتي اندلعت بسبب رفض الديمقراطيين في الكونغرس تمرير ميزانية تتضمن تمويلاً لبناء جدار على الحدود، وهو ما أثر بشكل مباشر على ميزانية وزارة الأمن الداخلي. وفي سياق متصل، أعاد ترمب التذكير بالتحقيقات الفيدرالية التي قادها المحقق الخاص روبرت مولر حول التدخل الروسي المزعوم في انتخابات عام 2016. وفي منشور له على منصة تروث سوشيال، نشر ترمب رسماً كاريكاتيرياً يجمعه بالرئيس الأسبق باراك أوباما ومولر، ملمحاً إلى أن التحقيقات التي استهدفته كانت مسيسة، وأن كل الخيوط كانت تقود في النهاية إلى أوباما ومنافسته السابقة هيلاري كلينتون، في محاولة مستمرة لنزع الشرعية عن تلك التحقيقات.
أزمة المطارات وتدخل وكالات الهجرة
وفي ظل تداعيات نقص التمويل والإغلاق الجزئي، برزت أزمة حقيقية في قطاع النقل الجوي الأمريكي. فقد أعلن ترمب عن توجيه عناصر من هيئة الهجرة والجمارك إلى المطارات الأمريكية بهدف مساعدة موظفي وكالة أمن النقل. جاء هذا القرار الطارئ بعد أن واجهت المطارات نقصاً حاداً في الكوادر البشرية نتيجة استقالة وتغيب عدد كبير من الموظفين الذين لم يتلقوا رواتبهم، مما أدى إلى تكدس المسافرين في طوابير طويلة. وأشاد ترمب بصمود الموظفين المتبقين، قائلاً إن عناصر هيئة الهجرة والجمارك سيتوجهون إلى المطارات لمساعدة موظفي أمن النقل الرائعين الذين ظلوا على رأس عملهم. كما وجه تحذيراً شديد اللهجة للمشرعين، مهدداً بنشر المزيد من القوات إذا لم يوافق الكونغرس فوراً على تمرير التمويل اللازم لأمن المطارات.
التداعيات المستقبلية لحالة الاستقطاب السياسي
لا تقتصر أهمية هذه التصريحات والقرارات على اللحظة الآنية، بل تمتد لتشكل ملامح المشهد السياسي الأمريكي وتأثيراته على المستويين المحلي والدولي. محلياً، يعزز هذا الخطاب الهجومي من حالة الانقسام المجتمعي، ويجعل من التوافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي أمراً شبه مستحيل في القضايا التشريعية الكبرى، مما يهدد بشلل حكومي متكرر يؤثر على حياة المواطنين اليومية والاقتصاد الوطني. أما على الصعيد الدولي، فإن استمرار هذه الصراعات الداخلية يبعث برسائل مقلقة لحلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء. فتركيز الإدارة الأمريكية على معاركها الداخلية قد يضعف من قدرتها على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، ويقلل من موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي مستقر. إن تصوير المعارضة السياسية الداخلية كعدو أكبر يتجاوز الخصوم الخارجيين يمثل تحولاً جذرياً في الخطاب السياسي الأمريكي، وهو ما قد يترك ندوباً عميقة في النظام الديمقراطي للبلاد لسنوات قادمة.


