مقدمة: طموحات تركيا النووية تتسع
في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز أمنها القومي في مجال الطاقة، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، عن خطط طموحة لبناء 8 مفاعلات طاقة نووية جديدة. وتتوزع هذه المفاعلات بواقع 4 مفاعلات في محافظة سينوب الشمالية، و4 أخرى في منطقة تراقيا. ولتحقيق هذا الهدف الضخم، تجري أنقرة محادثات مكثفة مع أربع قوى عالمية رائدة في هذا المجال، وهي: كوريا الجنوبية، كندا، الصين، وروسيا.
السياق التاريخي: رحلة تركيا نحو الطاقة النووية
لم يكن سعي تركيا لامتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية وليد اللحظة؛ بل يعود تاريخ هذا الطموح إلى سبعينيات القرن الماضي. لطالما عانت تركيا من الاعتماد الكبير على واردات الطاقة الخارجية، مثل الغاز الطبيعي والنفط، لتلبية احتياجات اقتصادها المتنامي وصناعاتها المزدهرة. هذا الاعتماد شكل عبئاً ثقيلاً على الميزان التجاري التركي. ومن هنا، برزت الحاجة الملحة لتنويع مصادر الطاقة، لتتوج هذه الجهود في عام 2010 بتوقيع أول اتفاقية كبرى مع روسيا لإنشاء محطة “أكويو” النووية، والتي مثلت نقطة تحول تاريخية في قطاع الطاقة التركي.
معايير الاختيار والمفاوضات الدولية
أكد الوزير بيرقدار في تصريحاته لوسائل الإعلام أن تركيا لم تحسم أمرها بعد ولم توقع أي اتفاقيات نهائية بشأن المشاريع الجديدة. وتعتمد أنقرة في اختيارها للشركاء الدوليين على مبدأ التنافسية؛ حيث سيتم إرساء العقود على الجهة التي تقدم الشروط الأكثر مرونة وتنافسية، مع التركيز بشكل خاص على “نقل التكنولوجيا” والمساهمة في توطين الصناعة النووية داخل تركيا.
وفي هذا السياق، تبرز المحادثات مع كوريا الجنوبية، حيث تسعى تركيا للحصول على عرض ملزم من شركة الكهرباء الكورية لإنشاء محطة “سينوب” على ساحل البحر الأسود. أما في منطقة تراقيا، فهناك اهتمام كندي بارز، حيث ناقش مسؤولون أتراك وكنديون إمكانية استخدام تكنولوجيا “كاندو” (CANDU) الكندية المتقدمة، وذلك عقب مباحثات رفيعة المستوى جرت في أنقرة مع وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، شملت تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة والتعدين.
تطورات محطة “أكويو”: المشروع الرائد
بالتوازي مع هذه الخطط المستقبلية، يستمر العمل على قدم وساق في محطة “أكويو” بولاية مرسين جنوب البلاد، والتي تنفذها شركة “روسآتوم” الروسية بتكلفة استثمارية تبلغ حوالي 20 مليار دولار. بدأ تشييد المفاعل الأول “أكويو 1” في عام 2018، تلاه المفاعل الثاني في 2020. ومن المتوقع أن يتم استكمال المشروع وبدء التشغيل التجريبي بحلول عام 2026. وقد شهد المشروع تعديلات إدارية في عام 2022، حيث مُنحت عقود البناء المتبقية لشركة “تي إس إم إنيرجي” لضمان سير العمل وفق الجداول الزمنية المحددة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع
تحمل هذه المشاريع النووية أبعاداً استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد توليد الكهرباء. على الصعيد المحلي، ستساهم هذه المفاعلات في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتطوير الكفاءات الهندسية التركية، فضلاً عن تقليص عجز الحساب الجاري عبر خفض فاتورة استيراد الطاقة. إقليمياً ودولياً، يعزز هذا التوجه من مكانة تركيا الجيوسياسية كمركز إقليمي للطاقة، ويتيح لها موازنة علاقاتها الاستراتيجية بين الشرق (روسيا والصين) والغرب (كندا). كما يتماشى هذا التحول مع الالتزامات البيئية العالمية لتركيا لخفض الانبعاثات الكربونية ومكافحة التغير المناخي.
رؤية 2050: مستقبل الطاقة في تركيا
تضع تركيا نصب عينيها هدفاً استراتيجياً طويل الأمد يتمثل في الوصول إلى قدرة إنتاجية تبلغ 20 غيغاواط من الطاقة النووية بحلول عام 2050. سيتم توفير حوالي 7.2 غيغاواط منها عبر المشاريع الكبرى في أكويو، سينوب، وتراقيا. ولتغطية النسبة المتبقية، تخطط أنقرة للاعتماد على المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs)، مما يعكس رؤية شاملة ومستدامة لمستقبل الطاقة في البلاد.


