مقدمة: رحيل سفير الثقافة السعودية في باريس
لعلّ شهرة الأديب والكاتب الصحفي الراحل أحمد أبو دهمان في العاصمة الفرنسية باريس وعموم القارة الأوروبية، تبدو أوسع وأعمق من شهرته في وطنه العربي. فالراحل، الذي وافته المنيّة في شهر ديسمبر الماضي، لم يكن مجرد كاتب عابر في المشهد الثقافي، بل نقش اسمه بحروف من ذهب في وعي العالم الفرانكفوني من خلال كتابته الإبداعية، وتحديداً عبر روايته الشهيرة «الحزام». لقد استطاع أبو دهمان أن يعلّق قلوب الفرنسيين بهوى قريته الجنوبية، حاملاً تفاصيلها الدقيقة وتراثها الأصيل معه إلى قلب أوروبا، مما مهد الطريق لانطلاقته نحو العالمية، وجعله سفيراً غير متوج للثقافة السعودية في الخارج.
السياق الثقافي والتاريخي: أدب عسير يعانق العالمية
تاريخياً، كان الأدب السعودي يركز بشكل كبير على القضايا المحلية والإقليمية، وكانت حركة الترجمة أو الكتابة بلغات أجنبية محدودة النطاق. في هذا السياق، برزت خطوة أحمد أبو دهمان كتحول تاريخي غير مسبوق. منطقة عسير، بطبيعتها الجبلية القاسية وتراثها المعماري الفريد وعاداتها الاجتماعية المتجذرة، كانت تمثل عالماً مغلقاً نسبياً عن الغرب. باختياره الكتابة عن هذه البيئة باللغة الفرنسية، لم يقم أبو دهمان بنقل حكاية شخصية فحسب، بل وثّق مرحلة تاريخية هامة من حياة القرية السعودية قبل الطفرة النفطية، مقدماً للعالم الغربي صورة حقيقية وإنسانية بعيدة عن الصور النمطية الاستشراقية التي سادت في تلك الحقبة.
النشأة والتعليم: من جبال سراة عبيدة إلى أروقة السوربون
وُلد أحمد أبو دهمان في قرية «آل خلف» التابعة لمحافظة سراة عبيدة في منطقة عسير، جنوب المملكة العربية السعودية. هذه البيئة الغنية بالتقاليد الشفهية والشعر الشعبي تركت أثراً بالغاً في تكوينه النفسي والأدبي. أكمل دراسته الابتدائية في قريته، ثم انتقل إلى مدينة أبها لإكمال المرحلة الثانوية. شغفه بالمعرفة قاده للالتحاق بمعهد تدريب المعلمين في الرياض، ليعود بعدها إلى قريته ليعمل معلماً لمدة ثلاثة أعوام، مساهماً في بناء أجيال جديدة. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل أتم تعليمه الجامعي في جامعة الملك سعود، حيث تخرج في قسم اللغة العربية بدرجة «ممتاز»، وتم تعيينه معيداً في الجامعة ذاتها. وفي عام 1979، بدأت رحلته الكبرى حين التحق بجامعة السوربون العريقة في باريس، حيث حصل على درجة الماجستير، ليبدأ فصلاً جديداً من حياته في عاصمة النور.
رواية «الحزام»: جسر ثقافي بين الشرق والغرب
امتاز أبو دهمان، أو «أبو نبيلة» كما يحب أن يناديه مقربوه، بذائقة أدبية فاتنة، وذاكرة ودودة وفيّة لجذوره. وكلما ورد اسمه في المحافل الثقافية، استذكر الجميع روايته السيرذاتية «الحزام» (La Ceinture). تكمن الأهمية التاريخية والأدبية لهذا العمل في كونه أول كاتب من شبه الجزيرة العربية يكتب رواية باللغة الفرنسية مباشرة، وقد نالت الرواية شرف النشر عبر دار «غاليمار» (Gallimard) الفرنسية العريقة، التي تُعد من أهم دور النشر في العالم. حققت الرواية نجاحاً باهراً في فرنسا، ولاحقاً، قام أبو دهمان بنفسه بترجمتها إلى اللغة العربية، كما تُرجمت إلى لغات عالمية أخرى، لتصبح نافذة أدبية يطل منها العالم على ثقافة جنوب السعودية وتفاصيل الحياة القروية البسيطة.
الأهمية والتأثير: أبعاد محلية وإقليمية ودولية
لم يقتصر تأثير أحمد أبو دهمان على الأدب فحسب، بل امتد ليشمل العمل الإعلامي والثقافي؛ حيث عمل مديراً لمكتب صحيفة «الرياض» السعودية في باريس لمدة تزيد على ثلاثة عقود. من خلال موقعه الصحفي، لعب دوراً محورياً في تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية السعودية الفرنسية، وأجرى حوارات مع كبار المفكرين والسياسيين. على الصعيد المحلي والإقليمي، وثّق أبو دهمان التراث العسيري وحفظه من الاندثار، مقدماً نموذجاً ملهماً للأدباء العرب والشباب السعودي في كيفية الوصول للعالمية دون التخلي عن الهوية المحلية. وعلى الصعيد الدولي، ساهم بشكل فعال في كسر الصور النمطية عن المملكة في الغرب، مقدماً صورة إنسانية عميقة عن المجتمع السعودي، وارتباطه الوثيق بالأرض والأسرة، ليظل اسمه علامة فارقة وجسراً متيناً للتواصل الحضاري في تاريخ الأدب السعودي الحديث.


