مقدمة: تعقيدات المشهد السياسي والميداني
في الوقت الذي يتصاعد فيه الحراك السياسي الداخلي في العاصمة اللبنانية بيروت تحت عنوان الاستعداد للذهاب إلى مفاوضات الهدنة في لبنان لوقف الحرب الدائرة، لا تزال الحقيقة الأساسية غائبة عن المشهد؛ وهي أن الدولة اللبنانية لم تتلقَّ حتى هذه اللحظة أي دعوة رسمية من الجهات الدولية للجلوس إلى طاولة التفاوض. وتتجلى المفارقة في أن الأيام القليلة الماضية شهدت انشغالاً لبنانياً رسمياً مكثفاً بالتحضير لهذا الاحتمال، من خلال نقاشات مستفيضة حول طبيعة الوفد المفاوض الذي يُفترض تشكيله، والشخصيات التي سيضمها، بالإضافة إلى المكان الذي يمكن أن تُعقد فيه هذه المحادثات الحساسة.
السياق التاريخي: من القرار 1701 إلى التصعيد الحالي
لفهم جذور الأزمة الحالية، يجب العودة إلى السياق التاريخي للصراع. فمنذ انتهاء حرب تموز عام 2006 وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية فترات من الهدوء الحذر تخللتها خروقات متقطعة. ومع اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023 في قطاع غزة، انخرط حزب الله في مواجهات عسكرية تحت مسمى جبهة الإسناد، مما أعاد خلط الأوراق الإقليمية. هذا التصعيد المستمر جعل من مسألة فصل الجبهات مطلباً إسرائيلياً ودولياً، في حين يربط الحزب وقف إطلاق النار بإنهاء الحرب على غزة، مما يعقد أي مساعٍ دبلوماسية حالية ويجعل تأثيرات هذا الصراع تمتد لتشمل أمن الشرق الأوسط بأسره.
الرفض الإسرائيلي والموقف الفرنسي
اصطدم المسار الدبلوماسي اللبناني بتصريحات قاطعة من وزير الخارجية الإسرائيلي، الذي أكد بوضوح أن بلاده لا تنوي إجراء أي محادثات مباشرة مع الحكومة اللبنانية في الأيام القليلة القادمة. ويُقرأ هذا الموقف الإسرائيلي المتصلب على أنه رد مباشر على الدعوة التي أطلقها قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، للذهاب إلى مفاوضات مباشرة لوقف الحرب. كما يشكل هذا الرفض إشارة سلبية واضحة للجهود الدبلوماسية التي تبذلها فرنسا في هذا الاتجاه، خاصة بعد أن أقرت باريس مؤخراً بأن مساعيها لا تزال دون مستوى خطة متكاملة أو مبادرة واضحة المعالم والبنود.
موقف حزب الله والدعم الداخلي للجيش
في ظل غياب أي معطيات واضحة لدى المسؤولين في بيروت حول مدى ارتباط الجبهة اللبنانية بالتطورات الأوسع للمواجهة الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو الهدنة بعيدة المنال. وقد تجلى ذلك في خطاب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الذي أكد استعداد الحزب لمواجهة طويلة الأمد لا يمكن أن تتوقف إلا في حال وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب الكامل. وعلى الصعيد السياسي الداخلي، زار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي قصر بعبدا لدعم جهود العماد جوزيف عون، مؤكداً تأييده لكل خطوة يقوم بها الجيش اللبناني وقائده لحماية البلاد.
التصعيد الميداني: توغلات برية وغارات مكثفة
على الجانب الآخر، تستأنف إسرائيل تحضيراتها العسكرية بتصعيد غير مسبوق. فقد طلبت الحكومة الإسرائيلية تعبئة 450 ألف جندي احتياط، وتترافق هذه التحضيرات مع تكثيف الغارات الجوية، القصف المدفعي، والتوغلات العسكرية البرية. وشملت العمليات ضرب الجسور، قطع الطرقات، ومنع حركة الشاحنات على طول الطريق الساحلي الممتد من بيروت إلى الجنوب، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة.
ويأتي التوغل البري الذي بدأته القوات الإسرائيلية في مناطق جنوب لبنان ضمن مسعى استراتيجي لتعزيز ما تسميه إسرائيل منطقة الدفاع الأمامي. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء قوات الفرقة 91 بنشاط بري محدد يستهدف مواقع رئيسية في الجنوب، إلى جانب قوات الفرقة 146 التي تواصل تنفيذ مهام دفاعية وهجومية لحماية بلدات الجليل. هذا التصعيد الميداني ينذر بتداعيات إقليمية خطيرة قد تتجاوز حدود البلدين لتؤثر على الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة.


