مقدمة: الجنوب الليبي في عين العاصفة
باتت رقعة الصحراء الليبية الشاسعة في الجنوب تُختصر اليوم في عبارة واحدة: “أرض بلا سيادة فعلية”. فبعد مرور أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، لا يزال الجنوب الليبي (إقليم فزان تاريخياً) يقدم نفسه ميداناً مفتوحاً لحروب الوكالة، والتنافس القبلي، والاختراق الأمني. وفي مشهد يزداد تعقيداً، تحول هذا الإقليم الاستراتيجي من مجرد طرف هامشي يعاني من الإهمال التنموي، إلى ورقة ضغط محورية وأداة ابتزاز سياسي واقتصادي في أي تسوية سياسية مرتقبة بين القوى المتصارعة في شرق البلاد وغربها.
السياق التاريخي: تهميش مستمر وفراغ أمني
تاريخياً، عانى إقليم فزان من تهميش اقتصادي وسياسي متعمد. ومع انهيار الدولة المركزية في عام 2011، تفاقمت أزمة الجنوب ليتحول إلى بؤرة للتوترات العرقية والقبلية بين المكونات الأساسية مثل التبو، والطوارق، والقبائل العربية. هذا الفراغ الأمني والمؤسساتي جعل من المنطقة ممراً رئيسياً لشبكات التهريب الدولية، وتجارة السلاح، والهجرة غير النظامية، مما زاد من تعقيد المشهد وجعل السيطرة عليه هدفاً استراتيجياً لكل الأطراف المتنازعة في ليبيا.
تحولات الولاءات: سيولة التحالفات السياسية
تتجلى أزمة الجنوب في التغير المستمر للولاءات السياسية. ولعل تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس يفتح الجرح السياسي على مصراعيه. فالرجل الذي أُقيل سابقاً من حكومة الاستقرار المكلفة من مجلس النواب في الشرق، يجد نفسه اليوم في صفوف حكومة طرابلس. هذا التحول يلخص ما بات يُعرف بـ “سيولة التحالفات” في المشهد الليبي. تنتمي عائلة الزادمة إلى قبيلة “أولاد سليمان” ذات النفوذ الواسع، والمرتبطة تاريخياً بتحالفات مع معسكر المشير خليفة حفتر، بينما يتوزع أشقاؤه بين القيادة العسكرية والزعامة القبلية. ويقرأ المحللون في هذا المسار إعادة تموضع مدروسة تهدف إلى اختراق ملف الجنوب من بوابة المنطقة الغربية، في خضم صراع طويل لم تُحسم نتائجه بعد.
معركة الحدود: استنزاف مستمر وتوترات عرقية
على الأرض، شهدت المناطق الحدودية مواجهات مسلحة مؤخراً بين قوات الجيش الوطني وعناصر ما يُعرف بـ “غرفة عمليات تحرير الجنوب” بقيادة محمد وردقو. جاء ذلك عقب هجمات استهدفت نقاطاً حدودية، مما أسفر عن خسائر بشرية ومادية. وعلى الرغم من إعلان الجيش الوطني استعادة السيطرة، إلا أن الفصائل المعارضة استحدثت نقاط تأمين جديدة على طول الشريط الحدودي الممتد، في مؤشر واضح على حرب استنزاف تفتقر إلى حسم ميداني في رقعة جغرافية وعرة يصعب السيطرة عليها بالكامل. ويرتبط هذا الملف بأبعاد قبلية وإقليمية متشابكة؛ إذ أجرت قيادة حفتر اتصالات مكثفة مع زعامات قبائل التبو لاحتواء التوتر، تضمنت مناقشات حول إمكانية إدماج عناصر من التبو في القوات العسكرية للمساهمة في السيطرة على “مثلث السلفادور” الحدودي الرابط بين الجزائر والنيجر وليبيا.
النفط والسلطة: ورقة المساومة الأقوى
لا يمكن فهم الاستقطاب الحاد في الجنوب الليبي بمعزل عن ثقله الاقتصادي الهائل. يحتضن الإقليم “حقل الشرارة”، وهو الأكبر في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 240 ألف برميل يومياً، ما يعادل ربع إنتاج البلاد من النفط الخام، فضلاً عن “حقل الفيل” وثروات معدنية أخرى يتصدرها الذهب. هذا الثقل الاقتصادي يجعل السيطرة على الجنوب أداة ابتزاز ممتازة وورقة مساومة حاسمة في أي مفاوضات مستقبلية لتقاسم السلطة والثروة بين الحكومات المتنافسة.
الميليشيات والدولة: تناقضات الاستقرار
في الغرب الليبي، تبرز تناقضات بناء الدولة. فقد كشف استقبال وزير الداخلية في حكومة الوحدة، عماد الطرابلسي، لمحمد كشلاف (المعروف بـ “القصب”)، والمدرج على قوائم العقوبات الدولية التابعة لمجلس الأمن منذ عام 2018 بتهم تهريب البشر والوقود، عن حجم الهوة العميقة بين الخطاب الرسمي الداعي للاستقرار والممارسات الفعلية على الأرض. ووصف حقوقيون هذه الحادثة بأنها تكريس لمبدأ الإفلات من العقاب، بينما يرى فريق آخر من المراقبين أن هذا النوع من التواصل ينطوي على حسابات أمنية براغماتية لفرض السيطرة في مناطق تتصدر مؤشرات الهشاشة الأمنية.
التأثير الإقليمي والدولي: ساحة تجاذب واسعة
لم يعد الصراع في الجنوب شأناً محلياً بحتاً. فقد أعلنت المنطقة العسكرية الجنوبية التابعة لقوات حفتر التوصل إلى اتفاق مع الجيش التشادي لإنشاء غرفة عمليات مشتركة عند النقطة 35 الحدودية، بهدف تنسيق الدوريات وإطلاق عمليات ميدانية بدعم جوي. واعتبر محللون هذه الخطوة تكريساً لترتيبات أمنية تتم خارج الإطار الوطني الجامع. ويُضاف إلى ذلك حضور دول الجوار المضطربة، من النيجر إلى تشاد والسودان، مما يجعل الجنوب الليبي ساحة تجاذب إقليمي ودولي تتشابك فيه خيوط التهريب، والهجرة غير النظامية، ومصالح القوى الكبرى التي تسعى لتأمين مصادر الطاقة والحد من التوترات المتنامية في منطقة الساحل والصحراء.


