تصاعد الأزمة السياسية داخل الإطار التنسيقي
تشهد الساحة السياسية في العراق تطورات متسارعة تعكس حجم الانقسامات العميقة داخل التحالف الحاكم، حيث انعكست سخونة الأوضاع الأمنية بشكل مباشر على المشهد السياسي. وفي خطوة مفاجئة، برزت تهديدات واضحة من أنصار زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، داخل قبة البرلمان العراقي، تهدف إلى إسقاط ترشيح رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، لولاية ثانية. هذه التحركات جعلت من مساعي تشكيل الحكومة الجديدة أو تجديد الثقة للحكومة الحالية عملية بالغة التعقيد، وتُنذر بإدخال البلاد في نفق سياسي مظلم.
الثلث المعطل: استراتيجية المالكي لعرقلة السوداني
تشير المعطيات الحالية إلى نجاح فريق المالكي في تشكيل ما يُعرف بـ “الثلث المعطل” داخل مجلس النواب العراقي. فقد تمكن المالكي من جمع تواقيع 125 نائباً تعهدوا برفض التجديد للسوداني. هذا الرقم يتجاوز حاجز الثلث (حوالي 110 نواب من أصل 329)، مما يعني عملياً القدرة على عرقلة تمرير الاستحقاقات الدستورية، وتحديداً جلسة انتخاب رئيس الجمهورية التي تتطلب أغلبية الثلثين (220 نائباً على الأقل). وبدون انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يقوم بدوره بتكليف مرشح الكتلة الأكبر، لا يمكن المضي في تشكيل الحكومة.
السياق التاريخي لتشكيل الحكومات في العراق
لفهم جذور هذه الأزمة، يجب العودة إلى السياق التاريخي للعملية السياسية في العراق ما بعد انتخابات أكتوبر 2021. حينها، تشكل “الإطار التنسيقي” كتحالف يضم القوى السياسية الشيعية الرئيسية لمواجهة مشروع الأغلبية. وبعد انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، تمكن الإطار من تشكيل الحكومة برئاسة السوداني أواخر عام 2022. واليوم، تعود الخلافات لتطفو على السطح، خاصة مع محاولة بعض الأطراف استثمار التوترات الأمنية، المتمثلة في استهداف قيادات الفصائل المسلحة وتصاعد الهجمات على المصالح الأمريكية، لتعزيز حظوظ مرشحيها في معركة السلطة المستمرة منذ أشهر.
جدل الكتلة الأكبر وموقف القضاء العراقي
في خضم هذا الصراع المحتدم، عاد الجدل الدستوري والسياسي حول مفهوم “الكتلة الأكبر” إلى الواجهة. وقد برزت انتقادات متكررة أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، الذي وصف استمرار الجدل حول هذا المفهوم بأنه “خطيئة سياسية” تسببت في تكرار أزمات تشكيل الحكومات المتعاقبة. ويرى العديد من المراقبين أن تصريحات زيدان تمثل محاولة للخروج من حالة الانسداد السياسي، واعتبرها محللون أقرب إلى دعم موقف السوداني، الذي كان قد حصد تحالفه عدداً كبيراً من المقاعد قبل أن يتنازل لصالح المالكي مطلع العام الحالي.
انقلاب سياسي وانقسامات داخل التحالف الحاكم
التطورات الأخيرة وُصفت في الأوساط السياسية العراقية بأنها “انقلاب سياسي” داخل الإطار التنسيقي. فقد بدأت شخصيات بارزة كانت تؤيد ترشيح المالكي بالاستدارة نحو خيار التجديد للسوداني. ووفقاً لتصريحات النائبة عالية نصيف، فإن زعامات وازنة مثل عمار الحكيم (زعيم تيار الحكمة)، وقيس الخزعلي (أمين عام عصائب أهل الحق)، وهادي العامري (زعيم تحالف الفتح)، يدعمون بقاء السوداني لولاية ثانية. ورغم هذا الدعم، أخفق الإطار التنسيقي مؤخراً في عقد اجتماع حاسم لمناقشة سحب ترشيح المالكي واستبداله بالسوداني، مما يعكس حجم التردد والتشكك الذي لا يزال يسيطر على المشهد.
التأثير المتوقع للأزمة: محلياً وإقليمياً
تحمل هذه الأزمة السياسية تداعيات بالغة الأهمية. على الصعيد المحلي، يهدد الانسداد السياسي بتعطيل إقرار الموازنات وتوقف المشاريع الخدمية التي يعتمد عليها المواطن، فضلاً عن احتمالية تجدد الاحتجاجات الشعبية. أما إقليمياً ودولياً، فإن استقرار العراق يُعد ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط. التجاذبات الحالية قد تؤثر على مسار المفاوضات الجارية بشأن إنهاء مهام التحالف الدولي، وتجعل الساحة العراقية أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الإقليمية، مما يضع مستقبل البلاد أمام سيناريوهات تتطلب توافقاً سياسياً عاجلاً.


