مقدمة الحدث وتفاصيل التسليم
في تطور ميداني وعسكري بارز على الساحة السورية، أعلنت وزارة الدفاع السورية رسمياً عن تسلم قوات الجيش السوري لقاعدة عسكرية استراتيجية في شمال شرقي البلاد. وجاءت هذه الخطوة في أعقاب انسحاب القوات التابعة للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. وأكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، عبر تصريحات أدلت بها للتلفزيون السوري الرسمي يوم السبت، أن وحدات الجيش السوري قد أتمت عملية تسلم قاعدة رميلان الواقعة في ريف محافظة الحسكة بشكل كامل بعد إخلاء قوات التحالف لمواقعها فيها.
تراجع التواجد العسكري للتحالف وتسلسل الانسحابات
لا يعد هذا الانسحاب حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة من التحركات العسكرية التي شهدتها المنطقة مؤخراً. فخلال شهر فبراير الماضي، بدأت الولايات المتحدة بسحب قواتها تباعاً من عدة مواقع استراتيجية، شملت تقارير عن تحركات في محيط قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية، بالإضافة إلى إخلاء قاعدة عسكرية تقع على أطراف بلدة الشدادي. وتكتسب قاعدة الشدادي أهمية خاصة نظراً لضمها سجناً كانت القوات الكردية تحتجز فيه عناصر وقيادات من تنظيم «داعش» الإرهابي، وذلك قبل أن تتقدم القوات الحكومية السورية لملء الفراغ الأمني في تلك المنطقة. كما امتدت عمليات الإخلاء لتشمل بدء الانسحاب من قاعدة قسرك في محافظة الحسكة.
السياق التاريخي والاتفاقيات السياسية والعسكرية
لفهم أبعاد هذا التطور، يجب العودة إلى السياق التاريخي للوجود العسكري الأجنبي في سوريا. نشرت الولايات المتحدة جنودها في سوريا والعراق ضمن إطار التحالف الدولي الذي شُكل عام 2014 لمواجهة تمدد تنظيم «داعش»، الذي سيطر حينها على مساحات شاسعة. واستمرت العمليات حتى تم دحر التنظيم من آخر معاقله في العراق عام 2017 وفي سوريا عام 2019. ومع تراجع التهديد المباشر للتنظيم، شهدت الأشهر الأخيرة تحولات سياسية جذرية، حيث وسعت السلطات السورية نطاق سيطرتها على مناطق في شمال شرقي البلاد كانت خاضعة لنفوذ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.
وقد جاء هذا التوسع إثر اشتباكات دموية أفضت في النهاية إلى توقيع اتفاق محوري في شهر يناير الماضي بين السلطات السورية والقيادات الكردية. نص هذا الاتفاق على الدمج التدريجي لمؤسسات الإدارة الذاتية، بشقيها المدني والعسكري، ضمن الهياكل الرسمية للدولة السورية. وتتويجاً لهذا المسار، أصدر الرئيس السوري قراراً هذا الأسبوع بتعيين القيادي الكردي سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع، في خطوة عملية لتطبيق بنود الاتفاق وتوحيد الجهود العسكرية.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المتوقعة
يحمل تسلم الجيش السوري لقاعدة رميلان دلالات استراتيجية عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تعتبر منطقة رميلان من أغنى المناطق السورية بالموارد النفطية، وعودة سيطرة الدولة عليها تعزز من قدرات الحكومة الاقتصادية والسيادية. إقليمياً، يساهم هذا التقدم في إعادة رسم خريطة النفوذ، مما قد يخفف من حدة التوترات الحدودية، خاصة مع تركيا التي طالما اعتبرت سيطرة الفصائل الكردية على حدودها الجنوبية تهديداً لأمنها القومي. دولياً، يعكس هذا الانسحاب تغيراً ملموساً في استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط، ويؤكد على تنامي سيطرة الحكومة السورية وحلفائها على المشهد الميداني، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة هيكلة التحالفات في المنطقة.


