تصاعد التوترات بين بروكسل وواشنطن
في تصعيد لافت يعكس حجم التوترات المتزايدة عبر ضفتي الأطلسي، وجهت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، اتهامات صريحة ومباشرة للولايات المتحدة الأمريكية بالسعي الحثيث إلى «تقسيم أوروبا». وفي مقابلة حصرية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، أكدت كالاس أن واشنطن تظهر بوضوح عدم ارتياحها لوجود اتحاد أوروبي قوي ومتماسك، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى نهجاً يكرر التكتيكات التي طالما استخدمها خصوم القارة العجوز لإضعافها وتشتيت جهودها.
السياق التاريخي والسياسي للعلاقات عبر الأطلسي
تأتي هذه التصريحات في وقت حساس للغاية بالنسبة للعلاقات الأوروبية الأمريكية، خاصة مع عودة الرئيس دونالد ترمب إلى المشهد السياسي وتلويحه المستمر بسياسات «أمريكا أولاً». تاريخياً، شكل التحالف بين الولايات المتحدة وأوروبا حجر الزاوية للأمن والاستقرار العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا سيما من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، شهدت هذه العلاقات اهتزازات متكررة خلال ولاية ترمب الأولى، وتتجدد المخاوف اليوم مع اتخاذ إدارته خطوات تصعيدية تستهدف الحلفاء الاستراتيجيين بشكل مباشر.
حروب تجارية وتهديدات وجودية لحلف الناتو
وأوضحت كالاس أن الرئيس الأمريكي استهدف الاتحاد الأوروبي مراراً خلال ولايته الثانية، حيث لوح بفرض رسوم جمركية قاسية على الدول الأعضاء. ولم تقتصر التهديدات على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى الجغرافيا السياسية، حيث أعاد ترمب الحديث عن فكرة ضم جزيرة جرينلاند، وهي خطوة حذرت كالاس من أنها قد تؤدي فعلياً إلى إنهاء حلف شمال الأطلسي وتقويض الأمن في منطقة القطب الشمالي الاستراتيجية، مما يضعف الجبهة الغربية بأكملها.
تحقيقات تجارية تنذر بأزمات اقتصادية عالمية
وفي سياق متصل، أطلقت إدارة ترمب هذا الأسبوع سلسلة من التحقيقات التجارية الواسعة التي تستهدف الاتحاد الأوروبي إلى جانب قوى اقتصادية كبرى مثل الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، والمكسيك. وتستند هذه التحقيقات إلى مزاعم بوجود ممارسات تجارية غير عادلة. وبموجب هذه الإجراءات، قد تواجه هذه الدول رسوماً جمركية جديدة بحلول الصيف المقبل، خاصة بعد أن ألغت المحكمة العليا الأمريكية الشهر الماضي معظم برنامج الرسوم الذي أقره ترمب في وقت سابق، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من الحروب التجارية التي قد تعيق النمو الاقتصادي العالمي.
الاستقلالية الاستراتيجية ووحدة الموقف الأوروبي
وأمام هذه التحديات غير المسبوقة، شددت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية على ضرورة تبني استراتيجية أوروبية موحدة. وحذرت دول الاتحاد الأوروبي من مغبة الانجرار وراء محاولات واشنطن لعقد صفقات ثنائية منفردة مع كل دولة على حدة، مؤكدة أن القوة الحقيقية لأوروبا تكمن في تكتلها، وقالت: «نحن قوى متساوية فقط عندما نكون معاً». هذا الموقف يعكس توجهاً متزايداً داخل أروقة بروكسل نحو تعزيز ما يُعرف بالاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مواجهة الضغوط الخارجية.
الاستثمار في الدفاع الأوروبي كضرورة حتمية
وفي ختام رؤيتها، أقرت كايا كالاس بالواقع العسكري الحالي، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال بحاجة ماسة إلى الشراء من أمريكا نظراً لافتقار القارة إلى الأصول والإمكانيات والقدرات الدفاعية الكافية في الوقت الراهن. لكنها وجهت نداءً عاجلاً بضرورة تغيير هذه المعادلة من خلال ضخ استثمارات ضخمة ومستدامة في الصناعات الدفاعية الأوروبية الخاصة، لضمان أمن القارة وتقليل اعتمادها التاريخي على المظلة الأمنية الأمريكية التي أصبحت غير مضمونة في ظل التقلبات السياسية المستمرة في واشنطن.


