تشهد الأسابيع الأخيرة من شهر رمضان المبارك ظاهرة متكررة تتمثل في معاناة شريحة واسعة من الصائمين من زيادة ملحوظة في الوزن. تاريخياً، يُعد شهر رمضان فرصة للتهذيب الروحي والبدني، إلا أن التحولات الثقافية والاجتماعية في العقود الأخيرة جعلت من موائد الإفطار والسحور ساحة لعرض أشهى المأكولات الغنية بالسعرات الحرارية. هذا التغير في النمط الغذائي يضع البعض في مواقف محرجة مع اقتراب عيد الفطر، خصوصاً عند اكتشافهم أن ثياب العيد التي تم تفصيلها مسبقاً قد ضاقت فجأة نتيجة تغير الوزن خلال فترة قصيرة، ناهيك عن الآثار الصحية السلبية المترتبة على ذلك.
السياق الصحي ومبادرات جودة الحياة
على المستوى المحلي والإقليمي، يحظى هذا الموضوع بأهمية كبرى، حيث يرتبط مباشرة بأهداف الصحة العامة. وفي إطار تعزيز الوعي الصحي المتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 للارتقاء بجودة الحياة، أطلقت مبادرة «عش بصحة» التابعة لوزارة الصحة دليل «مقاضي رمضان» ضمن حملة «صم بصحة». تهدف هذه الجهود إلى دعم السلوكيات الغذائية السليمة وتمكين المجتمع من تبني أنماط حياة صحية تسهم في رفع متوسط العمر المتوقع إلى 80 عاماً. وتأتي هذه التحركات في ظل بيانات مقلقة كشفت عنها الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، حيث بلغ معدل انتشار السمنة بين سكان المملكة (15 سنة فأكثر) 23.1%، فيما وصلت نسبة زيادة الوزن إلى 45.1%. كما سجلت نسبة السمنة بين الأطفال (2 إلى 14 سنة) 14.6%، مقابل 33.3% يعانون من زيادة الوزن.
مواقف محرجة: ثوبي ضيق!
يؤكد العديد من المواطنين، ومنهم سلطان الحربي وبسام العتيبي، أن زيادة الوزن الرمضانية أصبحت مشكلة سنوية تؤثر عليهم بدنياً وصحياً رغم محاولاتهم لتفاديها. وفي هذا السياق، يروي الخياط محمد جابر حادثة طريفة تعكس حجم المشكلة، حيث دخل في نقاش مع أحد الزبائن الذي فصّل ثوب العيد بوزن أقل في بداية الشهر، ليكتشف ليلة العيد أن الثوب أصبح ضيقاً، مطالباً بإعادة تفصيله أو تعويضه، قبل أن يتبين لاحقاً أن الزبون اكتسب وزناً إضافياً خلال أيام الصيام.
الاضطرابات الغذائية وصدمة السكر
طبياً، حذّر طبيب الباطنة الدكتور خالد الزهراني من الممارسات الخاطئة في التغذية ونمط الحياة. وأوضح أن مفاجأة الجسم عند الإفطار بكميات هائلة من النشويات والسكريات بعد ساعات صيام طويلة تؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في مستوى السكر بالدم. هذا التأثير لا يقتصر على مرضى السكري، بل يشمل الأصحاء الذين قد ترتفع لديهم مقاومة الإنسولين. كما حذر من النوم المباشر بعد الإفطار، مشدداً على ترك فاصل زمني (3 إلى 6 ساعات)، وأهمية التوازن في شرب السوائل لتجنب الجفاف أو إرهاق الكلى، مع ضرورة الانتباه لاضطرابات النوم التي تؤثر سلباً على الجهاز العصبي وصحة القلب.
جدولة الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة
يشكل شهر رمضان تحدياً لمرضى الأمراض المزمنة. أكد الدكتور الزهراني على حتمية إعادة جدولة الأدوية تحت إشراف طبي. فعدم الالتزام قد يعرض مرضى السكري لحموضة الدم، ومرضى الصرع لنوبات متكررة، ومرضى الضغط والقلب لمضاعفات خطيرة. وشدد على أهمية ممارسة الرياضة بإشراف مختصين لتحقيق أهداف صحية آمنة.
رمضان: فرصة ذهبية لفقدان الوزن
من زاوية أخرى، يرى طبيب الباطنة الدكتور محمد حسن أن رمضان يمثل فرصة مثالية لخسارة الوزن (بين 3 إلى 5 كيلوغرامات) دون حميات قاسية. يتحقق ذلك عبر كسر الصيام تدريجياً (ماء وتمر)، تناول شوربة خفيفة، ثم أداء الصلاة قبل العودة للطبق الرئيسي الذي يجب أن يتكون نصفه من السلطة والخضروات، مع بروتين صحي (دجاج أو سمك مشوي) وقليل من الكربوهيدرات. كما نصح بشرب 2 إلى 3 لترات من الماء، المشي لمدة 30 دقيقة، وتقليل الحلويات الرمضانية لمرة أو مرتين أسبوعياً، مع التركيز على سحور مشبع وصحي كالزبادي مع الشوفان أو البيض المسلوق.
الضغط الميكانيكي على المفاصل
أوضح أخصائي طب الأسرة الدكتور سليمان كسار أن زيادة الوزن لا ترتبط بالصيام، بل بالإفراط في السعرات الحرارية وقلة النشاط. وفي ذات السياق، بيّن استشاري جراحة العظام الدكتور خالد مدني أن هذه الزيادة السريعة تترجم إلى ضغوط ميكانيكية تسبب آلاماً في المفاصل والركبتين، خاصة أثناء الصلاة. كما تؤدي دهون البطن إلى سحب العمود الفقري للأمام، مما يضغط على الفقرات القطنية، ناهيك عن مشاكل الجهاز الهضمي كالارتجاع والخمول. وللوقاية، ينصح الأطباء بقاعدة التدرج في الأكل، الاعتماد على الطبق الصحي المتوازن، والالتزام بالنشاط البدني المنتظم.


