مقدمة: الإنسان كائن طقوسي يبحث عن المعنى
يؤكد المفكر حمزة أزوكاغ في طروحاته الفلسفية والاجتماعية أن الإنسان، ورغم كل التقدم المذهل الذي أحرزته البشرية في المجالات العلمية والتقنية، لا يزال يحتفظ بجوهره الأصيل كـ “كائن طقوسي” بامتياز. فهو في سعي دائم ومستمر للبحث عن المعنى في تفاصيل أفعاله اليومية. لم يتخلَّ الإنسان المعاصر عن الطقوس، بل قام بعملية استبدال عميقة؛ حيث تحول من الطقوس المرتبطة بالتعبد التقليدي إلى الانخراط في نظام تقني استهلاكي يعيد تشكيل هوياتنا بشكل يومي. هذا العالم الذي يبدو في ظاهره علمانياً ومادياً، يحمل في عمقه طابعاً شديد القداسة بالنسبة لممارسيه.
السياق التاريخي: تطور الطقوس البشرية عبر العصور
تاريخياً، ومنذ ظهور الإنسان في الوجود ووقوفه وجهاً لوجه أمام قوى الطبيعة الغامضة، ظل مشدوداً إلى ممارسات طقوسية متعددة. في البدايات، كانت هذه الطقوس تترجم اعتقاداته ومحاولاته لفهم وتفسير العالم من حوله. وبسبب تواضع معرفته التقنية آنذاك، لجأ الإنسان إلى صياغة نظام من الرموز يضفي على حياته وعلى الطبيعة معنى مفهوماً، مستعيناً بملكة الخيال الخلّاقة. وعبر التجمعات الإنسانية المتعاقبة، تحولت هذه التمثلات إلى أساطير كبرى تدفع الإنسان لترجمتها إلى طقوس متنوعة باختلاف الغايات. ومع بزوغ فجر الثورة الصناعية وصولاً إلى الثورة التكنولوجية المعاصرة، شهد العالم طفرة غير مسبوقة نقلت البشرية إلى طور جديد يعتمد على التفسير العلمي المادي، وهو تطور تاريخي واجتماعي موثق يفسر انتقالنا إلى العصر الحديث.
من الوصم إلى الوسم: التحول نحو العصر الرقمي
يعتبر أزوكاغ هذا التطور العلمي بمثابة نقلة نوعية، إلا أنه يحمل في طياته طقوسية محايثة للوثبة التقنية، ومواكبة لما يعيشه الإنسان في العالم الرقمي المعاصر. هذا الواقع يدفعنا للتأمل في محاولة لفهم علاقة الطقوس بالأسطورة. هل يمكن اعتبار التقنية الحديثة شكلاً جديداً من أشكال الطقوس؟ في هذا السياق، يستحضر أزوكاغ مقولة عالم الاجتماع الشهير إميل دوركايم الذي يرى أنه: “لا يمكن تعريف الشعائر وتمييزها من الممارسات البشرية الأخرى، لا سيما الأخلاقية، إلا بالطبيعة الخاصة بموضوعها. فالقاعدة الأخلاقية تملي علينا، مثلها في ذلك مثل الشعيرة، أنماطاً في الفعل، لكنها تتوجه إلى نوع مختلف من المواضيع”.
الطقس والأسطورة: لغة التعبير الإنساني
ترتبط الشعائر ارتباطاً وثيقاً بالأسطورة أو العقيدة، ولا يمكن فهم إحداهما بمعزل عن الأخرى. فالأسطورة هي الحاملة للمعنى والدلالة، بينما الطقس هو الترجمة العملية والسلوكية لتلك المعاني. المؤمن يستمد من معتقداته القوة التي تدفعه للفعل الطقوسي. وفي عالمنا المعاصر، أصبح الطقس يمتلك خطابه الخاص الذي ينقل الأسطورة من عالم المفاهيم إلى فضاء الكلمات والأفعال الملموسة.
سطوة التكنولوجيا: التأثير المحلي والدولي للطقوس الجديدة
لقد اجتاحت التقنيات حياتنا المعاصرة بشكل لا يمكن إنكاره، فلا يخلو بيت من حضورها الطاغي. أضحت للتكنولوجيا سطوة واضحة على كافة جوانب الحياة، محلياً وإقليمياً ودولياً. على الصعيد الدولي، وحدت التكنولوجيا السلوك البشري في نمط استهلاكي عالمي، بينما على الصعيد المحلي والإقليمي، أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية وطرق التواصل اليومية، مما أثر بشكل مباشر على البنية الثقافية للمجتمعات.
إن ممارسة “طقس التقنية” غدت فعلاً شبه يومي لدى معظم البشر. تصفح الهاتف الذكي، على سبيل المثال، أصبح طقساً يومياً منتظماً لا يقل أهمية عن الطقوس ذات الرمزيات الدينية والثقافية في العصور السابقة. وفي هذا العصر، تحل “أسطورة العلم” مكان الأساطير القديمة، لتفسر استخدامات التقنية والفوائد العائدة منها. كل طقس يسعى لإحداث مفاعيل معينة، وكذلك طقوس التقنية التي ينشد من خلالها الإنسان المعاصر غايات وفوائد محددة. لقد غدت التقنية، في نهاية المطاف، تمثل في الآن ذاته الطقس والأسطورة معاً، مما يؤكد استمرارية حاجة الإنسان العميقة للمعنى والانتظام.


