مقدمة: روسيا والمكاسب الإستراتيجية
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع الأمريكي الإيراني الذي يلقي بظلاله على استقرار المنطقة، تبرز روسيا كـ “الرابح الصامت” الأكبر من هذه الفوضى. فبينما تنشغل واشنطن وحلفاؤها الغربيون باحتواء التصعيد في الشرق الأوسط وحماية الملاحة الدولية، تجد موسكو نفسها أمام فرصة ذهبية لتخفيف الضغط الغربي المفروض عليها بسبب الحرب في أوكرانيا. لم تعد هذه الأزمة الإقليمية مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية عابرة، بل تحولت إلى أداة إستراتيجية تخدم المصالح الروسية على مستويات متعددة.
السياق التاريخي والتحولات الجيوسياسية
تاريخياً، طالما استفادت روسيا من التوترات بين واشنطن وطهران لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط. منذ اندلاع الثورة الإيرانية وتدهور العلاقات الأمريكية الإيرانية، عملت موسكو على بناء شراكات إستراتيجية مع طهران، تجلت بوضوح في التعاون العسكري والاقتصادي، وتنسيق المواقف في أزمات المنطقة مثل الأزمة السورية. ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، تعمقت هذه الشراكة لتشمل تبادل التقنيات العسكرية. اليوم، ومع تحول الانتباه الأمريكي نحو الشرق الأوسط، تستغل روسيا هذا الفراغ لتعزيز تموضعها كقوة عالمية لا غنى عنها، قادرة على التأثير في مسار الأحداث دون الانخراط المباشر في الصراع.
تشتيت الانتباه وتخفيف الضغط في أوكرانيا
من أبرز المكاسب التي تحققها موسكو هو تشتيت الانتباه الغربي، والأمريكي على وجه الخصوص، عن الساحة الأوكرانية. لقد حذر مسؤولون أوروبيون، من بينهم رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، من أن روسيا تظل المستفيد الأكبر من حالة الاضطراب الجيوسياسي الحالية. إن تحويل الموارد العسكرية والمالية الأمريكية لدعم الحلفاء في الشرق الأوسط أو لتعزيز التواجد العسكري في المنطقة، يؤدي بالضرورة إلى إبطاء وتيرة الدعم المقدم لكييف. هذا الوضع يثير قلق الحلفاء الأوروبيين من نقص الإمدادات العسكرية الحيوية، مما يمنح القوات الروسية أفضلية ميدانية وإستراتيجية لمواصلة عملياتها العسكرية بأريحية أكبر.
سلاح النفط والمكاسب الاقتصادية
على الصعيد الاقتصادي، تلعب أسواق الطاقة دوراً حاسماً في تعزيز صمود الاقتصاد الروسي. إن أي تهديد أو تصعيد بالقرب من مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، يؤدي فوراً إلى اهتزاز الأسواق وارتفاع أسعار النفط. هذا الارتفاع ينعكس بشكل مباشر وإيجابي على الخزانة الروسية، مما يوفر لموسكو الموارد المالية اللازمة لتمويل آلتها العسكرية وتجاوز العقوبات الغربية القاسية. علاوة على ذلك، تستفيد روسيا من إعادة توجيه صادراتها النفطية نحو أسواق بديلة مثل الهند والصين، مستغلة حاجة هذه الدول للطاقة بأسعار تنافسية، مما يقوض فعالية سقف الأسعار الذي فرضه الغرب.
سباق التسلح وتأثيره الإقليمي والدولي
لا يقتصر التأثير على أسواق الطاقة، بل يمتد إلى قطاع الصناعات الدفاعية. فبينما تحقق شركات الأسلحة الأمريكية مكاسب قياسية نتيجة زيادة الطلب على المنظومات الدفاعية والصواريخ، تجد روسيا في هذا الاستنزاف فرصة لتعزيز مبيعاتها من الأسلحة للدول التي تبحث عن بدائل بعيدة عن الشروط الأمريكية. كما أن استهلاك الذخائر الغربية في صراعات متعددة يضعف من المخزون الإستراتيجي لحلف الناتو، وهو ما يصب في مصلحة روسيا على المدى الطويل.
التأثير المتوقع والمستقبل الروسي
في المحصلة، يمثل الصراع الأمريكي الإيراني طوق نجاة جيوسياسي لروسيا. على الصعيد المحلي، يعزز هذا الوضع من استقرار الاقتصاد الروسي والداخل السياسي. وإقليمياً، يرسخ دور موسكو كحليف موثوق لمحور الممانعة وللدول الباحثة عن توازن في علاقاتها الدولية. أما دولياً، فإنه يسرع من وتيرة التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تستخدم روسيا التناقضات الدولية والفوضى الإقليمية كأدوات فعالة لكسر الهيمنة الغربية وإعادة صياغة النظام العالمي بما يخدم مصالحها الإستراتيجية العليا.


