السياق التاريخي: من الأسلحة التقليدية إلى الحروب الخوارزمية
تاريخياً، تطورت النزاعات المسلحة من الاعتماد المطلق على القوة البشرية والأسلحة التقليدية خلال الحربين العالميتين، مروراً بعصر الأسلحة الموجهة بدقة في أواخر القرن العشرين إبان حرب الخليج، وصولاً إلى ما نعيشه اليوم. تشهد الحروب المعاصرة تحولاً جذرياً في أدواتها وطرق إدارتها، حيث لم تعد ساحات القتال تعتمد فقط على التفوق العددي أو التقني التقليدي، بل أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي في الحروب شريكاً رئيسياً في توجيه الضربات، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات العملياتية الحساسة.
أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية
خلال المواجهات الأخيرة، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، برزت قدرات متقدمة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل في دمج منظومات ذكاء اصطناعي قادرة على تسريع سلسلة القرار العسكري وتحويل عمليات كانت تستغرق أياماً إلى عمليات تُنفّذ خلال ساعات أو حتى دقائق. نستعرض فيما يلي أهم هذه التطبيقات:
1. نظام The Gospel (حبسورة): تحويل المباني إلى أهداف
من بين أبرز المنصات التي ظهرت هو النظام المعروف باسم «حبسورة» (The Gospel)، الذي طورته وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200. يتمتع هذا النظام بقدرة فريدة على تحويل الكم الهائل من البيانات الخام إلى أهداف جاهزة للتعامل العسكري. يعتمد النظام على دمج بيانات متعددة المصادر (Data Fusion) تشمل:
- صور أقمار صناعية عالية الدقة.
- تسجيلات الطائرات المسيّرة.
- إشارات الرادار والمستشعرات الحرارية.
- تقارير استخباراتية ميدانية واعتراضات اتصال.
تعمل خوارزميات التعلم الآلي على مطابقة الأنماط المكتشفة مع قاعدة بيانات هائلة، بهدف تحديد المباني التي قد تُستخدم لأغراض عسكرية، وإدراجها ضمن «بنك أهداف» محدث باستمرار.
2. نظام Lavender (لافندر): صائد الأفراد الصامت
يمثل نظام «لافندر» الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي، فهو يركز على تحديد الأفراد المرتبطين بنشاط عسكري. يعمل كمنتج للأهداف البشرية عبر تحليل متواصل للبيانات الرقمية، ويرتكز على عنصرين أساسيين:
- شبكات العلاقات: قراءة أنماط الاتصال، والتفاعل مع أشخاص مصنفين سابقاً.
- السلوك الميداني: تتبع الحركة الجغرافية، والتواجد في مواقع حساسة.
يُنتج النظام في النهاية «درجة احتمالية» تحدد مستوى ارتباط الشخص بالنشاط العسكري، مما يجعله مرشحاً للاستهداف.
3. نظام Where’s Daddy: تحديد اللحظة المناسبة للضرب
يأتي هذا النظام ليكمل حلقة الاستهداف البشري عبر تحديد الوقت والمكان الأمثل لتنفيذ الضربة. لا يحدد النظام هوية الهدف، بل يتابع الشخص الذي تم تحديده عبر «لافندر»، ويترقب لحظة دخوله إلى موقع ثابت (وغالباً منزله) لزيادة دقة الضربة. يعتمد النظام على تتبع إشارات الهواتف، ومراقبة البصمة الرقمية، والربط بشبكات كاميرات ذكية.
4. منصة Palantir: عقل العمليات
تمثل منصة شركة «بالانتير» (Palantir) الأمريكية المحور الرئيسي للعمليات الرقمية، حيث تدمج مخرجات الأنظمة المختلفة في لوحة تحكم موحدة تقدم للقائد العسكري صورة شاملة. تعتمد المنصة على ربط النقاط، النمذجة البصرية للبيانات، والاستعلام الذكي الذي يمكن المحلل من الحصول على استنتاجات خلال ثوانٍ.
التأثير الإقليمي والدولي والأبعاد الأخلاقية
تشكل الأنظمة السابقة دورة عمل متكاملة لأتمتة الاستهداف تبدأ بتحديد الهدف، ثم التتبع اللحظي، وتقييم الموقع، وصولاً إلى التنفيذ. على المستوى الإقليمي، أظهرت هذه التقنيات قدرة تدميرية هائلة غيرت من شكل التكتيكات العسكرية في النزاعات الحديثة. أما على المستوى الدولي، فقد أطلقت هذه التطورات سباق تسلح عالمي بين القوى العظمى لتطوير أنظمة أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل (LAWS).
ورغم أن بعض القيادات العسكرية ترى في هذه الأنظمة فرصة لرفع الدقة وتقليل الخطأ البشري، إلا أن خبراء القانون الدولي الإنساني يحذرون من خطر «أتمتة الموت». إن تحويل قرارات مصيرية إلى مخرجات خوارزمية تُتخذ في أجزاء من الثانية يهدد بتقويض مبدأي التناسب والتمييز لحماية المدنيين. في كل الأحوال، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل أصبح عنصراً يعيد تشكيل الحروب وقواعدها، مما يفتح الباب أمام نقاشات أخلاقية وقانونية واسعة في المستقبل القريب.


