السياق العام: أزمة غزة في ظل التصعيد الإقليمي
في ظل التصاعد المستمر للأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً مع تزايد حدة التوترات والصدامات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، يبدو أن أزمة غزة تتجه تدريجياً نحو زوايا النسيان. لقد تراجعت المساعي الدولية الرامية إلى تحقيق وقف إطلاق النار وإحلال السلام في قطاع غزة، بما في ذلك المبادرات الأمريكية وقرارات مجلس الأمن الدولي، لتصبح غزة غائبة عن صدارة الحراك السياسي العالمي المزدحم بصراعات إقليمية أوسع تسحب البساط من تحت المأساة الإنسانية الفلسطينية.
الخلفية التاريخية: معاناة مستمرة ودمار شامل
تاريخياً، لم تكن أزمة غزة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من الصراع والحصار الخانق الذي بدأ منذ عام 2007. لقد شهد القطاع حروباً متتالية استنزفت مقدراته وبنيته التحتية، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي تعد الأكثر دموية وتدميراً، حيث تشير التقارير الأممية إلى تدمير ما يقارب 90% من المباني السكنية والمرافق الحيوية في غزة. هذا السياق التاريخي المأساوي يجعل من الضرورة بمكان أن تكون الأولوية القصوى هي إنقاذ ما تبقى من القطاع وحماية أرواح المدنيين الأبرياء الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه الصراعات المتكررة.
المواقف السياسية وأخطاء الفصائل الفلسطينية
لكن في خضم هذه المعاناة، تبرز مفارقة سياسية معقدة تتمثل في مواقف بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة، وفي مقدمتها حركة حماس. فبدلاً من التركيز على حشد الدعم الإنساني والسياسي لإنقاذ غزة، تصر هذه الفصائل على لفت الأنظار والانخراط في المحاور الإقليمية، من خلال توجيه رسائل التأييد والتهاني لأطراف تتورط في قصف دول تستضيفهم أو تزعزع استقرار المنطقة. كان الأجدر بهذه الفصائل إظهار موقف وفيّ وصادق تجاه دول الخليج العربي، التي طالما وقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف، وقدمت دعماً مالياً وسياسياً وإنسانياً غير مشروط على مدار عقود لدعم صمود القضية الفلسطينية.
التأثير المتوقع: محلياً وإقليمياً ودولياً
إن التأثير المتوقع لهذا التموضع السياسي يحمل تداعيات خطيرة على مستويات عدة. محلياً، يؤدي انخراط الفصائل في صراعات إقليمية إلى تعقيد جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، ويزيد من معاناة مئات الآلاف من النازحين والجرحى في غزة. إقليمياً، يساهم هذا النهج في تعميق الانقسامات وإضعاف الموقف العربي الموحد الداعم للقضية الفلسطينية. أما دولياً، فإنه يمنح الأطراف المعادية ذريعة لتهميش الحقوق الفلسطينية، ويؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بمسار السلام والمبادرات الدبلوماسية.
نحو توحيد الصف الفلسطيني وإحياء مسار السلام
إن الهدوء النسبي أو الصمت التكتيكي في غزة يجب أن يُستثمر بشكل إيجابي في هذه المرحلة العصيبة. بدلاً من إطلاق تصريحات تجر القطاع إلى حروب بالوكالة، يجب استغلال الوقت للالتفات إلى معاناة أبناء غزة المنكوبين، وتكثيف جهود الإغاثة، ومعالجة الجرحى. علاوة على ذلك، أصبحت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتعزيز التواصل بين كافة الفصائل الفلسطينية لإنهاء الانقسام وتوحيد الصف الوطني، وتغليب المصالح العليا للشعب الفلسطيني.
في الختام، لقد عانت غزة بما يكفي، ودفع أبناؤها أرواحهم ثمناً لأخطاء استراتيجية متراكمة. اليوم، يجب أن تُنأى غزة والفصائل الفلسطينية عن أي صراعات إقليمية جديدة لضمان عودة الاستقرار. كما يقع على عاتق المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية بصفتها راعية لعملية السلام، مسؤولية عدم تجاهل القضية الفلسطينية، والعمل الجاد والسريع على استكمال مبادرات السلام الشاملة التي تضمن حقوق الفلسطينيين وتنهي عقوداً من المأساة.


