مقدمة عن العمل التطوعي في السعودية
يشهد العمل التطوعي في السعودية تطوراً ملحوظاً ونمواً متسارعاً، ليصبح ركيزة أساسية من ركائز التنمية المجتمعية الشاملة. وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تطمح للوصول إلى مليون متطوع، كشفت أحدث الإحصاءات لعام 2025 عن أرقام مبشرة تعكس تنامي الوعي المجتمعي بأهمية العطاء والبذل. وقد أظهرت النتائج تفوقاً لافتاً لحملة الشهادات العليا، مما يؤكد على التحول نحو التطوع التخصصي الذي يفيد المجتمع بخبرات نوعية.
إحصاءات ومعدلات التطوع العامة لعام 2025
وفقاً لتقرير الإحصاءات الصادر لعام 2025، بلغ معدل التطوع للسكان في المملكة العربية السعودية (من عمر 15 سنة فأكثر) نحو 9.5% خلال فترة 4 أسابيع، بينما ارتفع هذا المعدل ليصل إلى 19.0% على مدار 12 شهراً. وقد سجلت الإحصاءات تفوقاً ملحوظاً للذكور مقارنة بالإناث في كلتا الفترتين؛ حيث بلغ معدل تطوع الذكور خلال 4 أسابيع 11.1% مقابل 6.3% للإناث. وعلى صعيد 12 شهراً، وصلت نسبة الذكور إلى 21.5% مقارنة بـ 14.2% للإناث، مما يعكس نشاطاً ذكورياً مكثفاً في المبادرات التطوعية الميدانية والمؤسسية.
مقارنة بين السعوديين وغير السعوديين
لم يقتصر شغف العمل التطوعي على المواطنين فحسب، بل امتد ليشمل المقيمين، مما يبرز التلاحم المجتمعي داخل المملكة. فقد بلغ معدل التطوع للسعوديين خلال 4 أسابيع 9.3% (11.9% للذكور و6.8% للإناث)، وخلال 12 شهراً بلغ 18.9%. في المقابل، سجل غير السعوديين معدلات متقاربة جداً، حيث بلغت نسبة تطوعهم خلال 4 أسابيع 9.6%، وارتفعت إلى 19.1% خلال 12 شهراً، مما يؤكد أن بيئة المملكة محفزة وجاذبة للعمل الإنساني لكافة شرائح المجتمع.
حملة الماجستير والدكتوراه يتصدرون المشهد
من أبرز ما كشف عنه التقرير هو الارتباط الوثيق بين المستوى التعليمي والمشاركة التطوعية. فقد سجل الحاصلون على درجات الماجستير والدكتوراه أعلى معدلات التطوع بين السعوديين بنسبة إجمالية بلغت 19.5%. وتفصيلاً، بلغت نسبة الذكور في هذه الفئة 24.9%، بينما بلغت نسبة الإناث 8.7%. هذا المؤشر يحمل دلالات عميقة على تنامي التطوع الاحترافي، حيث يسعى أصحاب الكفاءات العلمية العالية إلى زكاة علمهم ونقل خبراتهم لخدمة المجتمع، وهو ما يعزز من جودة المخرجات التطوعية وتأثيرها المستدام.
الفئات العمرية وأنماط التطوع المباشر
على صعيد الفئات العمرية، أظهرت النتائج أن الفئة العمرية من (35 إلى 44 سنة) هي الأكثر نشاطاً بين السعوديين بمعدل 13.6% خلال 4 أسابيع (18.5% للذكور و8.8% للإناث). هذه الفئة تمثل جيل الشباب الناضج الذي يمتلك الاستقرار المهني والقدرة على العطاء. أما من حيث أنماط التطوع، فقد تصدر التطوع المباشر المشهد بنسبة 7.5% للسعوديين و8.0% لغير السعوديين، متفوقاً على التطوع عبر الجهات المنظمة والتطوع المتعدد، مما يشير إلى المبادرات الفردية والمجتمعية العفوية التي يتميز بها المجتمع.
السياق التاريخي وأثر رؤية 2030
تاريخياً، كان العمل التطوعي في السعودية يغلب عليه الطابع الفردي والخيري غير الموثق. ولكن مع إطلاق رؤية 2030، تم مأسسة هذا القطاع بشكل احترافي من خلال إطلاق المنصة الوطنية للعمل التطوعي وتوفير بيئة تنظيمية وقانونية تحمي المتطوعين وتحفظ حقوقهم. إن هذا التحول الاستراتيجي لا يعزز التكافل الاجتماعي فحسب، بل يساهم بشكل مباشر في الناتج المحلي الإجمالي، ويرفع من تصنيف المملكة في مؤشرات العطاء العالمية. إن استمرار هذا الزخم، خاصة مع دخول الكفاءات العلمية العالية، يبشر بمستقبل مشرق للقطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، ويجعله نموذجاً يحتذى به إقليمياً ودولياً.


