في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، قلل المسؤول الإيراني البارز علي لاريجاني من أهمية التصريحات والتهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وتأتي هذه التهديدات في سياق تحذيرات أمريكية شديدة اللهجة بتكثيف الهجوم العسكري على طهران في حال أقدمت الأخيرة على إيقاف أو عرقلة تدفق إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وفي رد مباشر على هذه التصريحات، نشر لاريجاني عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) رسالة تحدٍ واضحة، مؤكداً أن الشعب الإيراني لا يخشى ما وصفه بـ”التهديدات الجوفاء”. وأضاف في منشوره محذراً الإدارة الأمريكية: “لقد عجز من هم أكبر منكم عن محو هذا الشعب، فاحذروا أن تكونوا أنتم من يزول”. كما شدد على معادلة استراتيجية واضحة مفادها أن مضيق هرمز إما أن يكون “مضيق انفراج للجميع” يضمن حرية الملاحة والتجارة الدولية، أو يتحول إلى “مضيق اختناق للحالمين بالحروب”، في إشارة إلى قدرة طهران على تعطيل الملاحة إذا تعرضت مصالحها للخطر.
ترمب يتوعد بضربات ساحقة
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد صعد من خطابه العدائي تجاه طهران في وقت سابق من اليوم نفسه، موجهاً تحذيرات غير مسبوقة. وأكد ترمب أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقف مكتوفة الأيدي، بل سترد بـ”قوة ساحقة” ومدمرة في حال اتخذت إيران أي خطوة فعلية لتعطيل حركة الملاحة وتدفق النفط عبر مضيق هرمز. وبلغ التصعيد ذروته عندما توعد ترمب بأن أي محاولة إيرانية لوقف حركة ناقلات النفط في هذا الممر المائي الحيوي ستُقابل بضربات عسكرية أمريكية قاسية، مشيراً إلى أنها ستكون “أقسى بعشرين مرة” من أي ضربات سابقة تعرضت لها طهران. ولم يكتفِ ترمب بذلك، بل استخدم لغة وعيد شديدة القسوة، مهدداً إيران بـ”الموت والنار والغضب” إذا ما تجرأت على المساس بأمن الطاقة العالمي وإغلاق المضيق.
السياق التاريخي وأهمية مضيق هرمز
تاريخياً، يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية وأكثرها حساسية على مستوى العالم، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب. وتمر عبر هذا المضيق الاستراتيجي نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، تُقدر بحوالي خُمس الاستهلاك العالمي من النفط الخام، مما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. لطالما استخدمت إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية وعسكرية في مواجهة العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية، خاصة تلك المفروضة من قبل الولايات المتحدة. وتعود جذور هذه التهديدات المتبادلة إلى عقود مضت، وتحديداً منذ “حرب الناقلات” إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث أدركت القوى الكبرى مدى هشاشة أمن الطاقة العالمي وارتباطه الوثيق باستقرار الملاحة في هذا المضيق.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
إن أي تصعيد عسكري فعلي أو محاولة لإغلاق مضيق هرمز لن تقتصر تداعياته على النطاق المحلي أو الإقليمي فحسب، بل ستمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. على الصعيد الإقليمي، سيؤدي مثل هذا الحدث إلى شلل في حركة الصادرات النفطية لدول الخليج العربي، مما يهدد استقرارها الاقتصادي والأمني. أما على الصعيد الدولي، فإن توقف إمدادات النفط سيؤدي حتماً إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع جنوني وغير مسبوق في أسعار النفط، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عميق. علاوة على ذلك، فإن اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في هذه المنطقة الحساسة سيجر قوى دولية وإقليمية أخرى إلى أتون الصراع، مما يهدد السلم والأمن الدوليين ويعيد رسم الخرائط الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لذلك، تنظر العواصم العالمية بقلق بالغ إلى هذه التصريحات المتبادلة، وتدعو باستمرار إلى التهدئة وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.


