أهمية وفضل العشر الأواخر من رمضان في حياة المسلمين
تعتبر أيام وليالي العشر الأواخر من رمضان محطة روحانية عظيمة ينتظرها المسلمون بشوق في كل عام. وفي هذا السياق، وجه معالي الشيخ الدكتور صالح الفوزان وصية هامة لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، حثهم فيها على ضرورة الجد والاجتهاد ومضاعفة العبادة خلال هذه الأيام المباركة. وتأتي هذه الوصية الغالية اقتداءً واهتداءً بسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي كان يخص هذه الأيام بمزيد من العناية والطاعة والتقرب إلى الله عز وجل، لتكون فرصة لتجديد الإيمان وغسل القلوب من أدران الدنيا.
السياق التاريخي والديني للعشر الأواخر
تحمل العشر الأواخر من رمضان مكانة تاريخية ودينية استثنائية في قلوب المسلمين منذ فجر الإسلام. ففي هذه الليالي المباركة، تتنزل الرحمات وتُعتق الرقاب من النار. والأهم من ذلك، أنها تضم “ليلة القدر” التي نزل فيها القرآن الكريم هدى للناس، والتي وصفها الخالق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل بأنها خير من ألف شهر. وقد دأب المسلمون عبر العصور، بدءاً من جيل الصحابة والتابعين وحتى يومنا هذا، على إحياء هذه الليالي بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، متبعين في ذلك الهدي النبوي الشريف. فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، مما يعكس الأهمية القصوى لاستثمار كل لحظة فيها وعدم تضييعها في الملهيات.
وصايا نبوية لإحياء ليالي القدر وسنة الاعتكاف
وأوضح الشيخ الفوزان في وصيته أن من أبرز الأعمال المستحبة في هذه الأيام إحياء الليل بالصلاة والقيام والتهجد، بالإضافة إلى إحياء سنة الاعتكاف في المساجد لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً. واستشهد فضيلته بما ورد في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله. وقد بين كبار علماء الأمة أن الغاية الكبرى من هذا الاعتكاف هي الانقطاع التام عن مشاغل الدنيا، والتفرغ الكامل لمناجاة الخالق سبحانه وتعالى، وتحري ليلة القدر استجابة لقوله عليه الصلاة والسلام: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان».
وأضاف فضيلته أنه يُستحب إكثار الدعاء في هذه الليالي العظيمة، وخاصة الدعاء المأثور: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». وهذا الدعاء الجامع المانع هو ما أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- السيدة عائشة عندما سألته عما تقوله إن وافقت ليلة القدر، وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي، ويحمل في طياته أسمى معاني التذلل لله وطلب المغفرة.
الأثر الروحي والمجتمعي للعشر الأواخر محلياً ودولياً
وعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، يبرز الأثر الكبير لهذه الأيام المباركة في تعزيز التلاحم المجتمعي والتكافل الإنساني بين المسلمين في شتى بقاع الأرض. ففي هذه الفترة الزمنية، تنشط أعمال الخير، وتكثر الصدقات، وتُخرج زكاة الفطر، وتمتلئ المساجد والجوامع بالمصلين الذين يجمعهم هدف واحد هو نيل رضا الله والعتق من النيران. ويمتد هذا التأثير الروحي ليخلق حالة من السكينة والطمأنينة في المجتمعات الإسلامية كافة، مما يعزز من قيم التسامح والمحبة والترابط الأسري والاجتماعي. كما تتجه أنظار المسلمين عالمياً نحو الحرمين الشريفين، حيث يجتمع الملايين في مشهد إيماني مهيب يجسد وحدة الأمة الإسلامية.
خاتمة: دعوة لمضاعفة الجهود والدعاء للأمة
وفي ختام وصيته القيمة، دعا الشيخ الفوزان نفسه وعموم المسلمين إلى مضاعفة الجهود في شتى أنواع العبادات من صلاة، وتلاوة للقرآن، وإخراج للصدقات، وصلة للأرحام. كما شدد على أهمية الإكثار من الدعاء والإلحاح فيه، مذكراً بأن الله سميع قريب مجيب الدعوات. وأوصى بأن يشمل المسلم في دعائه نفسه، ووالديه، وأهله، وذريته، وأن يخص ولاة الأمر والأوطان وجميع المسلمين بصالح الدعاء، لما في ذلك من خير يعم الأمة جمعاء، ويحفظ استقرارها وأمنها، ويدفع عنها البلاء والفتن.


