السياق الثقافي للمشهد التشكيلي السعودي
تشهد المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة نهضة ثقافية وفنية غير مسبوقة، حيث أصبح الفن التشكيلي أحد أهم الركائز التي تعكس هوية المجتمع وتطوره. وفي هذا السياق المليء بالإبداع، تبرز التشكيلية نوال رافعة كواحدة من الشخصيات الفنية والأدبية والاجتماعية المؤثرة في المشهد المحلي. لا يقتصر دورها على إبداع اللوحات فحسب، بل يمتد ليشمل مبادرات إنسانية واجتماعية تعكس روح العطاء المرتبطة باسمها. من خلال هذا الحوار، نغوص في أعماق شخصيتها لنستكشف ذكرياتها، ارتباطها بالمكان، وشغفها الذي لا ينضب.
ذكريات الطفولة الرمضانية في مكة المكرمة
تتميز مكة المكرمة بروحانية خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث تتشابك العادات والتقاليد مع الأجواء الإيمانية. تسترجع التشكيلية نوال رافعة ذكريات طفولتها في أزقة مكة، مسقط رأسها، بحنين بالغ يذرف دموعها كلما مرت بجوار البناية التي شهدت أسعد لحظات حياتها. وتروي موقفاً طريفاً يعكس براءة الطفولة، حيث كانت تتظاهر بالصيام أمام أسرتها برفقة شقيقتها الصغرى، ثم تصعدان إلى السطح لتناول الخبز والجبن خلسة، إلا أن آثار عصير التوت على شفاههما كانت تفضح سرهما الصغير. ورغم ذلك، كانت والدتها تشجعها على الصيام الحقيقي الذي بدأته في المرحلة المتوسطة، مع السماح لها بقطع الصيام عند الشعور بالإرهاق الشديد.
الفن التشكيلي: لغة التعبير وملاذ الروح
بالنسبة للفنانة نوال، لا يعد الرسم مجرد هواية، بل هو “تفريغ، تعبير، وتنفيس”. إنها لا تتخيل حياتها دون لوحة ولون وفرشاة، حيث تجد نفسها الحقيقية بين ثنايا الألوان. وفي شهر رمضان، تجد في أوقات الهدوء، خاصة بعد صلاة الفجر، فرصة مثالية للرسم والإبداع. هذا الارتباط العميق بالفن دفعها لتحويل موهبتها إلى رسالة مجتمعية، حيث تحرص مطلع كل رمضان على تقديم دورات فنية مجانية للأطفال، لتشاركهم متعة الإبداع وتغرس فيهم حب الفن.
مبادرات إنسانية واجتماعية في الشهر الفضيل
تتجلى معاني اسمها “نوال” الذي يعني العطاء في سلوكها اليومي، خاصة في رمضان. فهي تجد سعادة غامرة في إطعام الصائمين، وتوجه دعوة مفتوحة لمشاركة طعام الإفطار أو السحور لكل صائم لم يجد من يقدم له الطعام. كما تستذكر بسعادة بالغة الأوقات التي تعقب صلاة التراويح، حيث كانت أسرتها تستقبل أقاربهم من زوار مكة القادمين للعمرة من مدن مثل بيشة وجدة. وعلى مائدتها الرمضانية، تحرص على تواجد الأطباق المحلية الأصيلة مثل شوربة البرغل، سمبوسة اللحم، الفول، التميس، وعصير التوت.
الحنين للماضي، الأصدقاء، والأدب
مع تقدم العمر، تتغير نظرة الإنسان للحياة والعلاقات. تشير نوال إلى أن دائرة الأصدقاء تتقلص لأن الإنسان يصبح أكثر ميلاً للهدوء ويبتعد عن الصخب. ورغم ذلك، تتمنى لقاء زميلات مقاعد الدراسة في المدرسة الحادية عشرة الابتدائية بمكة، مثل نورة الشبلي، وفاء الطوخي، ونجمية الجاوي. وفي خضم هذا الحنين، تفتقد شقيقها الذي رحل قبل حلول شهر رمضان. إلى جانب الفن، تمتلك نوال شغفاً كبيراً بالأدب والشعر، وتستشهد بأبيات تعكس فلسفتها في الحياة والتواضع:
“إذا امتلأت كف اللئيم من الغنى.. تمايل إعجاباً وقال أنا أنا
ولكن كريم الأصل كالغصن كلما.. تحمل أثماراً تواضع وانحنى”.
التأثير المتوقع وأهمية توثيق السير الذاتية
تكمن أهمية تسليط الضوء على شخصيات مثل التشكيلية نوال رافعة، التي تشجع نادي النصر رياضياً وتتعاطى مع الإعلام الجديد بإيجابية هادفة، في تقديم نماذج ملهمة للأجيال القادمة. إن توثيق هذه السير يساهم في إثراء الذاكرة الثقافية المحلية، ويعزز من مكانة المرأة السعودية كعنصر فاعل ومؤثر في بناء المجتمع فنياً، ثقافياً، وإنسانياً، مما يتماشى مع الرؤية الوطنية الشاملة لدعم وتمكين المواهب في شتى المجالات.


