شهدت العاصمة العراقية بغداد مؤخراً تطوراً أمنياً لافتاً تمثل في عملية اغتيال قيادي عراقي بارز ضمن الفصائل المسلحة، في حادثة أعادت تسليط الضوء على ملفات شائكة تتعلق باقتصاديات الحرب والنفوذ. العملية التي اتسمت بالغموض والدقة، استهدفت شخصية محورية يُعتقد أن تصفيتها جاءت بتوجيه من جهات أمريكية أو إسرائيلية، وذلك في سياق الحرب الخفية المستمرة لتقويض النفوذ الإيراني وأذرعه الاقتصادية في العراق. القيادي الذي عُرف بكنية (أبو سيف)، لم يكن مجرد رقم عسكري، بل كان يشغل موقعاً استراتيجياً في إدارة ما يُعرف بـ"سوق الظل الكبير" للنفط جنوب بغداد.
جذور الاقتصاد الموازي وصعود مافيات الذهب الأسود
لفهم أبعاد هذه الحادثة، لا بد من العودة إلى السياق العام الذي نشأت فيه هذه الشبكات. منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما تلاه من انفلات أمني، تحول تهريب النفط من عمليات فردية محدودة إلى منظومة اقتصادية متكاملة تديرها جماعات مسلحة لتمويل أنشطتها. لقد استغلت هذه الفصائل ضعف الرقابة الحكومية وتداخل الصلاحيات الأمنية لإنشاء شبكات معقدة تقوم بقرصنة الأنابيب، وتكرير النفط في مصافٍ بدائية، وتهريبه عبر الحدود أو بيعه في السوق السوداء المحلية. وقد تحولت هذه التجارة بمرور السنوات إلى شريان حياة رئيسي يضمن استقلالية القرار المالي للفصائل بعيداً عن موازنة الدولة، مما جعل السيطرة على حقول ومسارات النفط جزءاً لا يتجزأ من الصراع السياسي والعسكري في البلاد.
شبكة (أبو سيف): من جيش المهدي إلى أباطرة التهريب
وفي تفاصيل الدور الذي كان يلعبه المستهدف، تشير مصادر مطلعة إلى أن (أبو سيف) كان المسؤول الأول عن إدارة كافة الأنشطة المرتبطة بالنفط الخام المهرب، بدءاً من عمليات الاستخراج غير الشرعي وصولاً إلى التكرير والبيع كمشتقات مختلفة. هذا الدور جعله رقماً صعباً في معادلة التمويل الذاتي للفصائل المسلحة التي تهيمن على تجارة النفط الموازية. ويشير التاريخ التنظيمي للرجل إلى أنه بدأ مسيرته في صفوف ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر، قبل أن ينشق ويشكل مع آخرين نفوذاً واسعاً ومستقلاً ضمن فصائل أخرى، مستفيداً من خبرته الميدانية وعلاقاته المتشعبة.
وتؤكد المعلومات الاستخباراتية أن (أبو سيف) نجح في تأسيس شبكة عنكبوتية واسعة من الوسطاء التجاريين في محافظات شمال وغرب العراق. كان الهدف من هذه الشبكة هو "غسيل النفط" واستغلال هؤلاء الوسطاء للتمويه على انتمائه الفصائلي، مما ضمن استمرار تدفق الأموال وتداول النفط بعيداً عن أعين الرقابة الرسمية والعقوبات الدولية. تعكس هذه الهيكلية مدى الاحترافية التي وصلت إليها تجارة النفط غير الشرعية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الأجندات السياسية.
تداعيات اغتيال قيادي عراقي على توازنات القوى الإقليمية
يحمل هذا الاغتيال دلالات تتجاوز البعد المحلي لتلامس جوهر الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة. إن استهداف شخصية اقتصادية بهذا الحجم يعد رسالة واضحة بأن قواعد الاشتباك قد تغيرت، وأن القوى المناهضة للنفوذ الإيراني بدأت تستهدف "البنية التحتية المالية" للفصائل بدلاً من الاكتفاء بالاستهداف العسكري التقليدي. محلياً، قد يؤدي هذا الحادث إلى إرباك مؤقت في شبكات التمويل، وربما يشعل صراعات داخلية بين الفصائل للسيطرة على تركة (أبو سيف) النفطية.
أما إقليمياً، فإن الحادثة تؤكد أن الفضاء العراقي لا يزال ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وأن أي محاولة لتعميق النفوذ الاقتصادي والعسكري للفصائل ستواجه بردود فعل قاسية ومباشرة. يعكس هذا الحادث التعقيد السياسي والاقتصادي في العراق، حيث تتداخل مصالح الفصائل المسلحة مع تجارة النفط والضغوط الدولية، مما يجعل من كل عملية اغتيال عنواناً جديداً وفصلاً دموياً في لعبة النفوذ المستمرة.


