مع إطلالة الشهر الفضيل، تتجلى في أزقة المدينة المنورة ومنازلها مظاهر الرحمة والمودة التي تميز المجتمع الحجازي، وتبرز عادة طُعمة رمضان كواحدة من أسمى الممارسات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال. هذه العادة الأصيلة لا تقتصر على كونها تبادلاً للأطباق والمأكولات قبيل أذان المغرب، بل هي رسالة محبة صامتة وجسر ممتد من الود يربط بين الجيران، حيث تتنقل الصحون المملوءة بما لذ وطاب بين البيوت، لتعود ممتلئة بأصناف أخرى، راسمة لوحة فريدة من التكافل الاجتماعي الذي يذيب الفوارق ويعزز الشعور بالجسد الواحد.
جذور التكافل في المجتمع المدني القديم
لا يمكن فصل هذه العادة عن السياق التاريخي والروحي للمدينة المنورة، مهبط الوحي ودار الهجرة. فمنذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، تأسس مجتمع المدينة على مبدأ المؤاخاة والتكافل، وظلت الوصية بالجار ركيزة أساسية في التعاملات اليومية، مصداقاً للحديث الشريف: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وقد ساهم التخطيط العمراني القديم لأحياء المدينة، حيث البيوت المتلاصقة والأبواب المشرعة، في ترسيخ هذه العادة، فكان الجار يستشعر حاجة جاره، ويحرص ألا يتصاعد دخان طعامه دون أن يشرك جيرانه فيه، مما جعل من تبادل الطعام ضرورة حياتية تحولت مع الزمن إلى إرث ثقافي ورمز للكرم العربي الأصيل.
طقوس طُعمة رمضان وذكريات الزمن الجميل
تستحضر الذاكرة الحجازية مشاهد لا تُنسى قبيل الغروب، حيث يتحول الأطفال إلى سفراء للمودة، يحملون الأطباق بين المنازل في حركة دؤوبة. وعن هذه الذكريات، تروي أم أحمد تفاصيل الزمن الجميل قائلة: «إن هذه العادة تُعرف في الحجاز باسم (طُعمة)، وتُعد ركيزة أساسية في كل حي بالمدينة المنورة عشتها منذ طفولتي». وتؤكد أن مائدة الإفطار لم تكن تكتمل إلا بأطباق الجيران المتنوعة، مشيرة إلى أن القاعدة الذهبية كانت ألا يُترك الجار يشم رائحة الطعام دون أن يتذوقه، وهو ما يعكس رهافة الحس الاجتماعي وعمق الروابط التي كانت تجمع أهل الحي الواحد.
أبعاد اجتماعية تتجاوز تبادل الطعام
تتعدى أهمية هذه الممارسة البعد الغذائي لتشكل ظاهرة اجتماعية ذات تأثير عميق محلياً وإنسانياً. فعلى المستوى المحلي، تساهم هذه العادة في إذابة الفوارق الطبقية، حيث يختلط طعام الغني بطعام الفقير على مائدة واحدة دون حرج، مما يعزز السلم المجتمعي ويقوي اللحمة الوطنية. وإقليمياً، تعكس هذه الممارسات الهوية الإسلامية التي تميز شعوب المنطقة، مقدمة نموذجاً حياً لكيفية الحفاظ على الدفء الإنساني في مواجهة طغيان المادية. كما أن استمرار مثل هذه العادات يعد وسيلة فعالة لمحاربة العزلة الاجتماعية التي تفرضها أنماط الحياة الحديثة في المدن الكبرى.
تحديات العصر واستمرار روح العطاء
رغم التحولات العمرانية وتغير نمط الحياة الذي فرض نوعاً من الخصوصية والاستقلال، إلا أن روح طُعمة رمضان لا تزال حاضرة في وجدان الأهالي. ويشير عماد الحربي إلى أن هذه العادة نشأت بعفوية تامة، لا تحتاج إلى دعوات رسمية، بل هي تعبير صادق عن المشاركة الإنسانية. ويستذكر الحربي كيف كانت والدته تعرف بكل طبق ومصدره مع الدعاء للجيران، مؤكداً أنه رغم تراجع التواصل المباشر، إلا أن جوهر العادة انتقل إلى صور عصرية مثل موائد الإفطار الجماعية والمبادرات التطوعية، مما يثبت أن قيم الخير متجذرة في النفوس، وأن رمضان سيظل دائماً موسماً للتقارب والتراحم وتجديد العهد مع قيم الجوار الأصيلة.


