دقّت ساعة الجنوب اللبناني، معلنةً دخول البلاد لحظة فاصلة لم تعرفها خلال أشهر «حرب الإسناد» الطويلة. لم يكن إطلاق صواريخ «حزب الله» ليل الأحد الماضي نحو شمالي إسرائيل مجرد عمل انتقامي لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بل كان إعلاناً عملياً بانتهاء المعادلة التي حكمت العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب على المستويات كافة، وإنهاءً لمفاعيل اتفاقية وقف إطلاق النار المعمول بها، لتدخل المنطقة في نفق مجهول.
إرث القرار 1701 واختبار الخط الأزرق
لفهم عمق ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي حكم هذه المنطقة منذ حرب يوليو 2006. لطالما كان القرار الدولي 1701 هو الضامن النظري للاستقرار، حيث نص على خلو المنطقة جنوب نهر الليطاني من أي وجود مسلح غير شرعي. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة نسفت هذا الترتيب الهش، حيث تحولت القرى والبلدات الواقعة على خط الليطاني اليوم إلى مسرح لتوتر عسكري غير مسبوق، متجاوزةً كل الخطوط الحمراء التي رُسمت عبر السنوات الماضية، ومعيدةً للأذهان ذكريات الاجتياحات السابقة التي غيرت وجه لبنان.
استراتيجية الأرض المحروقة والتوغل البري
تتقدم إسرائيل بخطوات برية وإستراتيجية أكبر، وفق ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تشمل التوغل البري وإخلاء أكثر من 52 بلدة طالت عمق الجنوب. هذه التحركات تتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية إلى إعادة رسم واقع ميداني جديد، بما يشبه احتلالاً مدروساً يهدف إلى فرض معادلة دائمة على الأرض. في هذه اللحظة، ومع تشابك المعادلة العسكرية بالسياسية، يصبح السؤال الأكبر: ما الثمن الذي ستدفعه الدولة اللبنانية بفعل هذه المغامرة إذا استمر التصعيد؟
صدى المعركة إقليمياً ودولياً
لا يمكن فصل ما يحدث في الجنوب اللبناني عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالمعركة الحالية تتجاوز الحدود الجغرافية لقرى الجنوب لتشكل نقطة اشتباك محورية في الصراع الإقليمي. دولياً، يُنظر إلى هذا التصعيد بقلق بالغ، حيث تخشى العواصم الكبرى من انزلاق الأمور نحو حرب إقليمية شاملة قد تجر أطرافاً أخرى. محلياً، يضع هذا الوضع لبنان أمام استحقاقات وجودية، حيث أن تغيير الخرائط العسكرية في الجنوب قد يتبعه تغيير في التوازنات السياسية الداخلية، مما يفرض تحديات هائلة على بنية الدولة اللبنانية الهشة أصلاً.
الدولة اللبنانية ومحاولة استعادة القرار
المشكلة لم تكن في اختلاف تقدير أو سوء قراءة، فما جرى بدّل قواعد اللعبة. المناخ اللبناني السياسي الذي سبق التصعيد كان يميل إلى تجنب انخراط «حزب الله» المباشر، والرهان كان على إبقاء البلاد خارج المواجهة الكبرى. لكن رد فعل الحكومة كان غير مسبوق؛ فقرار حظر النشاط العسكري والأمني للحزب لم يكن إجراءً تقنياً، بل إعلان سياسي بأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى خارج الشرعية. هذه الخطوة وضعت خطاً فاصلاً للمرة الأولى، حيث اضطرت الدولة لتعريف نفسها من جديد.
السيناريوهات الثلاثة لمستقبل الجنوب اللبناني
في ظل القراءة الإسرائيلية للحظة كفرصة لإعادة تشكيل الواقع الحدودي، تتبلور ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل المنطقة:
- السيناريو الأول: يتمثّل في تثبيت واقع ميداني دائم جنوب الليطاني. ليس بالضرورة عبر إعلان رسمي عن احتلال، بل من خلال انتشار طويل الأمد ومنع عودة السكان، مما يضع الدولة أمام أمر واقع جغرافي وأمني يصعب تغييره بالتفاوض.
- السيناريو الثاني: يتعلق بطبيعة التفاوض نفسه. إسرائيل ستدفع باتجاه مفاوضات أمنية مباشرة لفرض ترتيبات ملزمة تتعلق بانتشار الجيش اللبناني وحصرية السلاح، مستغلة قرار الحكومة اللبنانية الأخير للقول إن المشكلة مع تنظيم خارج عن القانون وليست مع الدولة.
- السيناريو الثالث: توسيع دائرة الضغط نحو البقاع إذا رأت إسرائيل أن حسم الجنوب لا يكفي. نقل مركز الثقل إلى العمق يعني أن الحرب لن تبقى حدودية، وهو خيار يحمل مخاطر وجودية على لبنان ككل.
الواقع الآن واضح: الجنوب اللبناني قد يتحول إلى ساحة تُرسم فيها توازنات جديدة، والمسألة لم تعد كيفية إدارة التصعيد، بل من يملك حق تحديد مستقبل الجنوب: الدولة، أم الوقائع التي تُفرض تحت النار؟


