دخلت صواريخ إيران الانشطارية بقوة إلى فضاء المواجهة العسكرية المفتوحة، لتثير موجة واسعة من التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأسلحة النوعية تمثل تحولاً جذرياً في طبيعة الحرب الدائرة. فهذه الصواريخ، التي تتميز بتقنيات انفجار جوي ونثر قنابل صغيرة على مساحات واسعة، باتت تشكل هاجساً أمنياً متزايداً في إسرائيل، نظراً لقدرتها على إحداث أضرار متعددة ومتزامنة، مما يضع منظومات الدفاع الجوي أمام تحديات غير مسبوقة.
تفاصيل ليلة القصف في تل أبيب
شهدت سماء تل أبيب مساء الخميس سلسلة انفجارات عنيفة عقب إطلاق طهران رشقات صاروخية جديدة، شملت صواريخ إيران الانشطارية، وفقاً لما أكدته وكالة «فرانس برس». وقد أضاءت مسارات الصواريخ سماء مدينة نتانيا شمال تل أبيب، بينما دوت انفجارات متتالية هزت المنطقة بعد الساعة التاسعة مساءً بتوقيت غرينتش. وتزامناً مع ذلك، دوت صافرات الإنذار في كافة أنحاء تل أبيب الكبرى، حيث رصد الجيش الإسرائيلي إطلاق دفعات مكثفة من الصواريخ، مما أجبر ملايين السكان على الهروب فوراً نحو الملاجئ والمناطق المحصنة.
تطور نوعي في مسار الصراع الإقليمي
لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق العام للتصعيد في الشرق الأوسط؛ إذ يمثل استخدام هذا النوع من الذخائر انتقالاً من مرحلة التهديدات المتبادلة إلى مرحلة استخدام أسلحة ذات تأثير تدميري واسع النطاق. تاريخياً، اعتمدت المواجهات السابقة على صواريخ باليستية تقليدية أو طائرات مسيرة، لكن إدخال الرؤوس الانشطارية يعكس رغبة في تجاوز القبة الحديدية ومنظومات الدفاع الأخرى عبر إغراق الأجواء بعدد هائل من المقذوفات الصغيرة التي يصعب اعتراضها جميعاً في آن واحد.
القدرات التقنية للصواريخ العنقودية
في تحليل تقني لما حدث، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية أن إيران استخدمت عدداً من الصواريخ الانشطارية ضمن مئات الصواريخ الباليستية. وأوضح الجيش الإسرائيلي أن الصاروخ العنقودي يحمل رأساً حربياً ينشطر في الجو ليطلق عدة قنابل صغيرة، مما يوسع دائرة الخطر بشكل كبير.
من جانبها، أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» بتفاصيل دقيقة حول آلية عمل صواريخ إيران الانشطارية، مشيرة إلى أن الرأس الحربي يحتوي على شحنة متفجرة تزن مئات الكيلوغرامات، بالإضافة إلى نحو 20 قنبلة صغيرة (ذخيرة ثانوية). يتم إطلاق هذه القنابل على ارتفاع يقارب 7 كيلومترات فوق الهدف، لتنتشر وتغطي مساحة قد تصل إلى 8 كيلومترات. وتزن كل قنبلة صغيرة بضعة كيلوغرامات، محملة بـ 2.5 إلى 7 كيلوغرامات من المواد المتفجرة، مما يزيد من احتمالية وقوع إصابات وأضرار في مواقع متفرقة في اللحظة ذاتها.
خريطة الأضرار وتداعيات الهجوم
على الأرض، أكدت السلطات الإسرائيلية وقوع أضرار مادية جسيمة في عدة مناطق، أبرزها بني براك، رمات غان، كفر قاسم، وبيتح تكفا، بالإضافة إلى اندلاع حرائق في «روش هعاين» نتيجة سقوط الشظايا. وفي مستوطنة بني براك تحديداً، تم الإبلاغ عن أربعة مواقع سقوط مختلفة؛ حيث سقط صاروخ قرب مركبة مما أدى لاشتعالها، وتضررت شقق سكنية في موقع آخر، بينما أصيب مبنى سكني بشكل مباشر في الموقع الثالث مخلفاً دماراً واسعاً وإصابات بشرية نُقلت للمستشفيات.
تأثير السلاح الجديد على موازين القوى
يحمل استخدام صواريخ إيران الانشطارية دلالات استراتيجية هامة قد تؤثر على موازين القوى إقليمياً ودولياً. فمن الناحية العسكرية، يفرض هذا السلاح معادلة ردع جديدة تجعل من المراكز الحضرية المكتظة أهدافاً سهلة التأثر، مما قد يغير من الحسابات السياسية والعسكرية للأطراف المتنازعة. وحذر قائد منطقة تل أبيب في الشرطة الإسرائيلية، حاييم سرغروف، من خطورة الوضع مشيراً إلى رصد نحو 12 موقع سقوط في وقت واحد، واصفاً القدرة التدميرية لهذه الصواريخ بأنها قد تؤدي إلى «كارثة» إذا ما استمر استخدامها بهذه الكثافة.


