في تطور لافت للعلاقات عبر الأطلسي، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة بصدد اتخاذ إجراءات صارمة قد تصل إلى قطع جميع العلاقات التجارية مع مدريد. وتصدر عنوان ترمب يهدد إسبانيا المشهد السياسي العالمي بعد رفض الحكومة الإسبانية السماح للجيش الأمريكي باستخدام قواعده العسكرية الموجودة على أراضيها في مهام عسكرية مرتبطة بشن غارات جوية محتملة على إيران.
الجذور التاريخية للتحالف العسكري ومكانة القواعد الإسبانية
لفهم عمق هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى السياق العسكري والجيوسياسي الذي يربط واشنطن بمدريد منذ عقود. تستضيف إسبانيا قاعدتين عسكريتين أمريكيتين حيويتين، وهما قاعدة "روتا" البحرية وقاعدة "مورون" الجوية. تُعتبر هذه القواعد نقاط ارتكاز استراتيجية لا غنى عنها للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتلعب دوراً محورياً في الدعم اللوجستي والجوي. تاريخياً، كانت إسبانيا حليفاً وثيقاً داخل حلف الناتو، إلا أن الحكومات الإسبانية المتعاقبة، وتماشياً مع الموقف الأوروبي العام، أبدت في أحيان كثيرة تحفظاً تجاه المشاركة في عمليات عسكرية هجومية أحادية الجانب لا تحظى بإجماع دولي، وهو ما يفسر الحذر الإسباني الحالي تجاه الانجرار إلى صراع مفتوح مع طهران.
ترمب يهدد إسبانيا بعزلة اقتصادية وتوجيهات للخزانة
خلال اجتماعه مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وصف ترمب الموقف الإسباني بأنه "سيء جداً"، مشدداً على جدية وعيده. وفي سياق تأكيده على أن ترمب يهدد إسبانيا بخطوات عملية، أشار الرئيس الأمريكي إلى أنه أصدر توجيهات لوزير الخزانة، سكوت بيسنت، بالعمل فوراً على "وقف جميع الاتفاقات" القائمة مع مدريد. وأردف قائلاً بلهجة حادة: "سنقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا. لا نريد أي علاقة معها". هذا التهديد، إذا ما نُفذ، سيضرب قطاعات حيوية في الاقتصاد الإسباني مثل الزراعة (زيت الزيتون والنبيذ)، والصناعات التحويلية، والتكنولوجيا، مما قد يكبد مدريد خسائر بمليارات الدولارات نتيجة فرض تعريفات جمركية عقابية.
تصدع التحالفات الغربية والبحث عن الاستقلالية الأوروبية
يتجاوز هذا الخلاف البعد الثنائي ليطال بنية العلاقات الدولية الغربية. يعكس الرفض الإسباني توجهاً أوروبياً أوسع يميل إلى التهدئة الدبلوماسية مع طهران بدلاً من سياسة "الضغوط القصوى" التي تتبناها واشنطن. إن استخدام الولايات المتحدة للورقة الاقتصادية لمعاقبة حليف عسكري استراتيجي داخل الناتو بسبب خلاف حول استراتيجية خارج حدود الحلف يثير مخاوف جدية حول تماسك الحلف ومستقبله. يرى المراقبون أن مثل هذه الخطوات قد تدفع الدول الأوروبية لتسريع خطواتها نحو تحقيق "الاستقلالية الاستراتيجية" بعيداً عن المظلة الأمريكية، مما قد يعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للغرب ويضعف الجبهة الموحدة في مواجهة التحديات العالمية المتنامية.


