شهدت الساعات القليلة الماضية حالة من الغموض والتضارب الكبير في الأنباء الواردة من العاصمة الإيرانية طهران وتل أبيب، تمحورت حول الهجوم الجوي الذي استهدف مبنى مجلس خبراء القيادة في إيران. وبينما سارعت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية للتأكيد على أن المبنى المستهدف لم يكن قيد الاستخدام وقت الغارة، خرجت تقارير إسرائيلية لتؤكد دقة الضربة وأنها استهدفت اجتماعاً مفصلياً، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التصعيد وأهدافه الاستراتيجية في ظل التوترات غير المسبوقة التي تعصف بالشرق الأوسط.
الدور المحوري لمجلس خبراء القيادة في النظام الإيراني
لفهم عمق هذا الحدث، لا بد من تسليط الضوء على الأهمية الاستثنائية التي يحظى بها مجلس خبراء القيادة داخل هيكلية النظام السياسي والديني في إيران. يُعتبر هذا المجلس المؤسسة الدستورية العليا والمناط بها أخطر المهام في الجمهورية الإسلامية، وهي اختيار المرشد الأعلى للثورة، والإشراف على عمله، وحتى عزله في حال فقدانه لأهلية القيادة. يتألف المجلس من فقهاء ومجتهدين يتم انتخابهم شعبياً بعد تزكيتهم، ولذلك فإن استهداف مقاره لا يُعد مجرد عمل عسكري روتيني، بل هو مساس مباشر بآليات انتقال السلطة وعصب استمرارية النظام، خاصة في ظل الشائعات المستمرة حول صحة القيادة العليا والحاجة لترتيب البيت الداخلي.
تفاصيل الهجوم في قم وتضارب الروايات
بالعودة إلى تفاصيل الحدث الميداني، نقلت وكالة "مهر" الإيرانية نفياً قاطعاً لوجود أي نشاط بشري داخل مبنى مجلس خبراء القيادة لحظة وقوع الهجوم في مدينة قم، مؤكدة خلوه من الأعضاء. ويهدف هذا النفي، بحسب مراقبين، إلى احتواء الصدمة وتقليل الخسائر المعنوية. في المقابل، تبنت هيئة البث الإسرائيلية رواية مغايرة تماماً، حيث نقلت عن مسؤولين إسرائيليين أن القصف استهدف المجلس أثناء انعقاد جلسة طارئة لاختيار خليفة للمرشد علي خامنئي، وذلك تزامناً مع أنباء غير مؤكدة عن اغتياله في الهجمات الأخيرة. وكانت وكالة "تسنيم" قد وثقت وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية للمبنى الواقع في مدينة قم، المعقل الديني والحوزوي لإيران، مما يؤكد وقوع الهجوم المادي رغم الجدل حول الهدف البشري.
دلالات التحول في بنك الأهداف الإسرائيلي
يحمل قصف مؤسسة سيادية ودينية بحجم مجلس الخبراء دلالات خطيرة تشير إلى تحول جذري في قواعد الاشتباك. يبدو أن بنك الأهداف الأمريكي والإسرائيلي قد توسع ليشمل رموز السيادة ومراكز صنع القرار السياسي، متجاوزاً المنشآت العسكرية والنووية التقليدية. هذا التطور يبعث برسالة واضحة مفادها أن الحصانة السياسية والدينية لم تعد عائقاً أمام العمليات العسكرية، مما يضع النظام الإيراني أمام تحدٍ وجودي قد يدفعه لاتخاذ قرارات مصيرية.
مستقبل الاستقرار الإقليمي في ظل التوترات الراهنة
إن تداعيات هذا الهجوم لن تقف عند الحدود الجغرافية لإيران، بل تمتد لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي. فاستهداف آليات الخلافة في طهران قد يخلق حالة من الفراغ الدستوري أو الفوضى السياسية التي قد تنعكس سلباً على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك أمن الطاقة والملاحة في مضيق هرمز. كما أن هذا التصعيد يرفع من احتمالية انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة وشاملة، حيث قد تلجأ طهران لردود فعل غير تقليدية عبر وكلائها في المنطقة لاستعادة توازن الردع المفقود، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية احتواء الموقف قبل فوات الأوان.


