
في منعطف خطير للأحداث الجارية في منطقة القرن الأفريقي، أصدرت وزارة الخارجية في الخرطوم بياناً رسمياً أكدت فيه أن السودان يتهم إثيوبيا بانتهاك سيادته الوطنية وسلامة أراضيه. وأوضح البيان أن السلطات السودانية رصدت اختراقات جوية لطائرات قادمة من الأراضي الإثيوبية استهدفت مواقع داخل الحدود السودانية خلال الشهر المنصرم، واصفة هذا التحرك بـ «العدواني» الذي لا يمكن السكوت عنه. وحذرت الخرطوم جارتها الشرقية من عواقب استمرار هذه الأنشطة، مؤكدة احتفاظها بحق الرد المشروع للدفاع عن الأمن القومي السوداني.
السودان يتهم إثيوبيا: قراءة في السياق التاريخي والسياسي
لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين، حيث يأتي هذا الاتهام في وقت يمر فيه السودان بأسوأ أزمة داخلية منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع. تاريخياً، ظلت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا تتأرجح بين التعاون والتوتر، خاصة فيما يتعلق بملف منطقة «الفشقة» الحدودية الخصبة التي شهدت مناوشات عسكرية متكررة، بالإضافة إلى الخلافات المستمرة حول تشغيل «سد النهضة». ويرى محللون أن توقيت هذه الاتهامات يحمل دلالات استراتيجية، إذ يخشى السودان من استغلال أطراف خارجية لهشاشة الوضع الأمني الداخلي لفرض واقع جديد على الحدود الشرقية، مما يعيد خلط الأوراق في المنطقة بأسرها.
اشتعال الجبهات في جنوب كردفان
وبالتزامن مع التوتر الدبلوماسي على الحدود الشرقية، شهدت ولاية جنوب كردفان تصعيداً عسكرياً غير مسبوق. فقد اندلعت مواجهات عنيفة بين القوات المسلحة السودانية وما يُعرف بقوات تحالف «تأسيس»، الذي يضم عناصر من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان. وجاءت هذه المعارك لتقطع فترة من الهدوء النسبي الذي ساد المنطقة عقب نجاح الجيش في فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج. وتشير التقارير الميدانية إلى أن القوات الحكومية تمكنت من صد هجوم منسق من ثلاثة محاور قرب الدلنج، مكبدة القوات المهاجمة خسائر في المعدات والأرواح.
تضارب الروايات حول السيطرة الميدانية
في ظل ضبابية المشهد، تباينت الروايات حول حقيقة الوضع الميداني؛ فبينما يؤكد الجيش تماسكه، أعلنت المنصات الإعلامية التابعة للتحالف المهاجم سيطرتها على مواقع استراتيجية، أبرزها بلدة «التكمة» ومقر «اللواء 54 مشاة» في كادوقلي. كما ادعى التحالف نجاحه في قطع طريق الإمداد الحيوي بين الدلنج وهبيلا، مما يعني عملياً إعادة فرض الحصار على القوات الحكومية. ويعكس هذا التضارب طبيعة المعارك القائمة على الكر والفر، مما يجعل من الصعب الجزم بخريطة السيطرة النهائية في الوقت الراهن.
مخاطر تدويل الأزمة وتأثيراتها الإقليمية
إن تزامن حقيقة أن السودان يتهم إثيوبيا بانتهاك أجوائه مع اشتعال جبهات القتال الداخلية يثير مخاوف جدية من انزلاق السودان نحو «تدويل الصراع». فدخول فاعلين إقليميين على خط الأزمة قد يحول الحرب السودانية إلى صراع إقليمي واسع النطاق يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويحذر المجتمع الدولي من أن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب، وتقويض فرص الحل السلمي، وزيادة تدفق اللاجئين عبر الحدود، مما يشكل ضغطاً هائلاً على دول الجوار التي تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية وأمنية.
الكلفة الإنسانية الباهظة في شمال كردفان
بعيداً عن الحسابات العسكرية والسياسية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذا الصراع، وتحديداً في ولاية شمال كردفان. فقد شهدت مدينة الأبيض مأساة إنسانية يوم السبت الماضي، حيث أدى قصف بمسيرات إلى مقتل تسعة أشخاص وتدمير واسع للبنية التحتية والمرافق الخدمية. ورغم محاولات الأطراف المتحاربة تبرير هجماتها باستهداف مواقع عسكرية، إلا أن الواقع الميداني يؤكد تضرر المدنيين بشكل مباشر. وتزيد هذه الهجمات من تفاقم الوضع الإنساني الكارثي، حيث يواجه السكان شبح المجاعة الذي دفع البعض لأكل أوراق الشجر، وسط موجات نزوح جماعي تجاوزت 800 ألف شخص، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.


