شنت موسكو هجوماً دبلوماسياً لاذعاً على الولايات المتحدة الأمريكية يوم الأربعاء، متهمة إياها باختلاق "تهديدات وهمية" لا أساس لها من الصحة، بهدف تبرير عدوانها الساعي إلى إسقاط النظام الإيراني وتقويض استقراره الدستوري. واعتبرت روسيا أن التحركات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك الدعوات الموجهة للشعب الإيراني للتمرد، تمثل قمة "الانتهازية السياسية" وتجرداً من القيم الإنسانية في ظل الأزمة الراهنة.
تاريخ من العقوبات ومحاولات تقويض النظام الإيراني
لفهم عمق الاتهامات الروسية، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران. فمنذ عقود، وتحديداً منذ عام 1979، سعت الولايات المتحدة عبر استراتيجيات متعددة لمحاصرة طهران، بدءاً من العقوبات الاقتصادية الخانقة وصولاً إلى العزلة الدبلوماسية. وترى موسكو أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 كان خطوة تمهيدية مدروسة للوصول إلى السيناريو الحالي، حيث هدفت تلك التحركات إلى إضعاف البنية الاقتصادية والسياسية للدولة الإيرانية تمهيداً لضربها عسكرياً.
زاخاروفا: المفاوضات كانت غطاءً للخداع
وفي تصريحات صحفية شديدة اللهجة، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن الإدارة الأمريكية مارست "خداعاً استراتيجياً"، حيث استخدمت المفاوضات النووية كستار لإخفاء نواياها الحقيقية في تغيير النظام. وأوضحت زاخاروفا أن استمرار المحادثات حتى اللحظات الأخيرة قبل بدء الهجمات يثبت وجود نية مبيتة للغدر، مشيرة إلى أن "التهديد الإيراني" الذي روجت له واشنطن وتل أبيب لسنوات لم يكن سوى ذريعة لتنفيذ أجندة سياسية تهدف للإطاحة بدولة ذات سيادة تعارض الهيمنة الغربية.
بوتين يندد بالاغتيال ويؤكد عمق الشراكة
على مستوى القيادة العليا، أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إدانته الشديدة لما وصفه بـ "الجريمة الدنيئة" المتمثلة في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للعمليات العسكرية. وفي برقية تعزية وجهها للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وصف بوتين هذا الفعل بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي والأعراف الأخلاقية". وأكد الرئيس الروسي أن خامنئي كان شريكاً استراتيجياً ساهم في تعزيز العلاقات بين البلدين، مشدداً على أن المساس بطهران يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الروسية، نظراً لمعاهدة الشراكة الاستراتيجية التي تربط البلدين.
التداعيات الجيوسياسية ومخاطر الفراغ الأمني
يحذر الخبراء والمراقبون من أن الإصرار الأمريكي على تغيير النظام الإيراني بالقوة العسكرية قد يجر المنطقة والعالم إلى كارثة غير محسوبة العواقب. فإيران ليست مجرد دولة عادية، بل هي لاعب محوري في أمن الطاقة العالمي وتتحكم في ممرات مائية حيوية. إن أي فراغ في السلطة أو فوضى شاملة قد تنتج عن إسقاط النظام لن تقف عند الحدود الإيرانية، بل ستشعل موجات من النزوح والصراعات الطائفية التي قد تزعزع استقرار الشرق الأوسط برمته. وتخشى روسيا من أن تؤدي هذه الفوضى الخلاقة إلى تكريس هيمنة أمريكية مطلقة على مقدرات المنطقة، وهو ما تعتبره موسكو خطاً أحمر يهدد أمنها القومي.
معركة الروايات في مجلس الأمن
وانتقلت المواجهة إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث شن المندوب الروسي الدائم، فاسيلي نيبينزيا، هجوماً عنيفاً على الرواية الغربية خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن. ووصف نيبينزيا الهجمات بأنها "خيانة للدبلوماسية"، مفنداً المزاعم حول سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، ومعتبراً إياها ادعاءات لا تستند إلى دليل. واختتم حديثه بالتأكيد على أن طهران أبدت مرونة كبيرة في المفاوضات، لكنها قوبلت بـ "طعنة في الظهر"، مما يضرب مصداقية المؤسسات الدولية في الصميم.


