أكد فضيلة الدكتور نظير محمد عيّاد، مفتي الديار المصرية، في توضيح فقهي هام يمس حياة الكثيرين، أن صيام المريض الذي تلقى تحذيراً صريحاً من طبيب ثقة بضرورة الإفطار يُعد مخالفة شرعية تستوجب المؤاخذة. وشدد المفتي على أن الإصرار على الصوم في حالة الخطر الصحي ليس من التقوى في شيء، بل هو وقوع في المحظور الشرعي المتمثل في الإضرار بالنفس، وهو ما يتنافى مع جوهر العبادات في الإسلام التي مبناها على التيسير لا التعسير.
مقاصد الشريعة وحفظ النفس البشرية
تأتي هذه الفتوى متسقة تماماً مع السياق العام لمقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، التي جعلت "حفظ النفس" إحدى الكليات الخمس الضرورية التي يجب حمايتها وصيانتها من كل سوء. تاريخياً، اتفق فقهاء الأمة ومذاهبها المعتبرة على أن الرخص الشرعية، ومنها رخصة الإفطار للمريض، هي منح إلهية يُحب الله أن تُؤتى كما يُحب أن تُؤتى عزائمه. إن التوجيه القرآني الصريح "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" يمثل القاعدة الأساسية التي استند إليها الدكتور نظير عياد، حيث يُعتبر تجاهل النصيحة الطبية نوعاً من التعدي على حق الجسد الذي هو أمانة عند الإنسان، وليس ملكاً مطلقاً له يتصرف فيه بما يضره أو يهلكه.
التكامل بين الطب والشرع في صيام المريض
تبرز أهمية هذه الفتوى في تعزيز التكامل بين العلم والدين، حيث يُنيط الشرع الحكم الفقهي في مسألة صيام المريض بتقدير أهل الاختصاص، وهم الأطباء الثقات. هذا التوجه يعكس مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب الحقائق العلمية؛ فالطبيب هو الذي يشخص الضرر، والمفتي هو الذي يبني الحكم الشرعي بناءً على هذا التشخيص. هذا الترابط يقطع الطريق على الفتاوى المتشددة أو الاجتهادات الشخصية الخاطئة التي قد يتبناها البعض ظناً منهم أن المشقة تجلب الثواب، حتى وإن كانت تلك المشقة مهلكة للنفس.
الأبعاد الصحية والمجتمعية للفتوى
لهذا التوجيه الشرعي تأثير إيجابي كبير على المستويين الفردي والمجتمعي؛ فعلى المستوى الفردي، يرفع الحرج النفسي والشعور بالذنب لدى المرضى الذين يضطرون للإفطار، مؤكداً لهم أن إفطارهم طاعة لله في حال المرض كما هو صيامهم في حال الصحة. أما على المستوى الصحي العام، فإن الالتزام بهذه الفتوى يقلل من حالات الطوارئ والمضاعفات الخطيرة التي تشهدها المستشفيات خلال شهر رمضان، مثل حالات الغيبوبة السكرية أو الفشل الكلوي الحاد، نتيجة إصرار بعض أصحاب الأمراض المزمنة أو الحادة على الصيام رغم الخطورة، مما يعكس وعياً دينياً وصحياً متحضراً يساهم في سلامة المجتمع.
تفاصيل الفتوى: أحكام القضاء والفدية
وفي تفصيل الأحكام المترتبة على ذلك، أوضح مفتي الجمهورية أن المريض الذي يلزمه الطبيب بالفطر يجب عليه الاستجابة، ويترتب عليه قضاء الأيام التي أفطرها بعد تمام شفائه واستقرار حالته الصحية وزوال المانع. أما في الحالات التي يكون فيها المرض مزمناً ولا يُرجى شفاؤه، أو كان الصوم يشكل مشقة دائمة وخطراً مستمراً على الحياة، فإن الواجب ينتقل من القضاء إلى الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم. واختتم المفتي توضيحه بلمسة إنسانية وتيسير شرعي، مشيراً إلى أن المريض الفقير الذي لا يجد ما يطعم به المساكين تسقط عنه الفدية ولا شيء عليه، رحمة من الله بعباده وتخفيفاً عنهم.


