يُعد المفكر الكويتي الدكتور محمد الرميحي قامة ثقافية وفكرية سامقة، تتجاوز شهرتها حدود دولة الكويت لتشمل المشهد الثقافي في عموم العالم العربي. تمتاز شخصية الرميحي بقدرة فريدة على المزج بين الرصانة الأكاديمية الصارمة والرقة الإنسانية العذبة، وهو ما يتجلى بوضوح عندما يفتح خزانة ذكرياته الرمضانية. في هذا الحوار، لا نكتفي بسرد القصص، بل نعود معه أكثر من ستة عقود إلى الوراء، لنستكشف ملامح زمنٍ مضى، ونقرأ من خلال ذاكرته الحية تحولات المجتمع الخليجي العميقة.
محمد الرميحي وعبق الماضي: هدية الصوم الأول
يستحضر الدكتور محمد الرميحي رمضان الطفولة كزمنٍ يتسم بالبطء المحبب والدفء العائلي، حيث كانت الحواس هي بوابة الذاكرة؛ فمن روائح المطبخ الكويتي التقليدي التي تفوح قبيل المغرب، إلى صوت المذياع الذي كان يجمع الرجال حوله بخشوع لسماع الابتهالات والأذان. ويروي الرميحي بشغف قصة صومه الأول، تلك المحطة المفصلية التي ارتبطت بذكرى لا تُمحى، حين تلقى من والده -رحمه الله- هدية عبارة عن دراجة هوائية «بسكليته» كمكافأة تشجيعية، وهو موقف يعكس فلسفة التربية في تلك الحقبة التي كانت تمزج بين الحزم والرحمة والتشجيع المعنوي والمادي.
السياق التاريخي: من «الفريج» إلى المدن الحديثة
لفهم عمق الحنين في حديث الرميحي، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي والاجتماعي لتلك المرحلة. لم تكن الأحياء القديمة أو ما يعرف بـ «الفريج» مجرد حيز جغرافي للسكن، بل كانت وعاءً وجدانياً واجتماعياً متكاملاً. كانت البيوت المتلاصقة والمساجد الصغيرة والأزقة الضيقة تشكل نسيجاً واحداً يجمع الأهل والأصدقاء والجيران على مائدة إفطار جماعية وتكافل يومي، وذلك قبل الطفرة النفطية والتوسع العمراني الذي غير شكل المدن الخليجية وفرض مسافات جغرافية ونفسية بين السكان.
رؤية سوسيولوجية للتحولات في الخليج
بصفته عالم اجتماع ومفكراً يمتلك رصيداً ضخماً من المؤلفات التي تحلل بنية المجتمع العربي والخليجي، يرى الرميحي في شهر رمضان مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية الجذرية. يشير إلى أن الجوهر الروحي للشهر الفضيل لا يزال حاضراً، إلا أن المظاهر الاجتماعية قد تبدلت. لقد تحول المجتمع تدريجياً من نمط «الأسرة الممتدة» التي كانت تجمع الأجيال المختلفة تحت سقف واحد أو في محيط متقارب، إلى «الأسرة النواة» الصغيرة، حيث أصبح الناس يميلون للعزلة، واقتصرت التهاني في الغالب على الرسائل الإلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس تأثير الحداثة وتغير نمط الحياة الاقتصادي المتسارع في دول مجلس التعاون.
الأهمية الثقافية لتوثيق الذاكرة
تكمن أهمية حديث الرميحي في كونه وثيقة شفهية تربط بين جيلين مختلفين؛ جيل التأسيس والبساطة، وجيل التكنولوجيا والعولمة. إن استحضار هذه الذكريات ليس مجرد نوستالجيا عابرة، بل هو تأكيد على أهمية الهوية الثقافية المحلية في مواجهة طوفان العولمة. يمثل الرميحي صوت المثقف الذي يخشى على الأجيال الجديدة من الانبتات عن جذورها، مؤكداً أن العادات والتقاليد الرمضانية هي جزء أصيل من الأمن الثقافي للمجتمعات الخليجية.
بين زاد المعرفة وبساطة المائدة
رغم أجواء رمضان الروحانية والاجتماعية، يظل الالتزام الفكري والمهني حاضراً بقوة في يوميات الدكتور محمد الرميحي. فهو يخصص وقته للقراءة المتأنية، خاصة في كتب التراث التي تقدم زاداً معرفياً يعيد شحذ الذاكرة، ويمارس الكتابة بحذر ودقة أكبر مراعاة لروحانية الشهر. وعن مائدته، يميل الرميحي إلى البساطة والأكلات ذات الجذور المحلية العميقة مثل «الهريس» و«التشريب»، مؤكداً أن الطعام في الموروث الشعبي هو طقس اجتماعي وذاكرة مشتركة وليس مجرد استهلاك يومي.
ويختتم الرميحي حديثه بحكمة استقاها من تجارب الحياة الطويلة مفادها أن «ليس كل ما يُقال يُراد»، متمنياً استقرار المنطقة، والسكينة النفسية للجميع، وأن يطول العمر بصفاء ذهن، معبراً عن عشقه للون الأزرق الهادئ ومتابعته للرياضة بروح ثقافية متسامحة بعيدة عن التعصب.


