أكد المفكر والباحث في علم الاجتماع، الدكتور حسام الدين فيّاض، أن الاعتراف بالآخر في الدراسات الاجتماعية المعاصرة لم يعد مجرد ترفٍ فكري أو انعكاسٍ فلسفي للذات، بل بات ضرورة ملحة ومفتاحاً رئيساً لإدراكنا لمفهوم العدالة المجتمعية. وأوضح فيّاض أن العلاقة مع الآخر هي المرآة الحقيقية التي تكشف حدود فهمنا للهوية، وتؤسس لقواعد التعايش السلمي في المجتمعات الحديثة التي تتسم بالتنوع والتعقيد.
الجذور الفلسفية والسياق التاريخي لجدلية الأنا والآخر
لفهم عمق طرح الدكتور فيّاض، لا بد من النظر إلى السياق التاريخي والفلسفي لمفهوم «الآخر». فمنذ جدلية السيد والعبد عند هيجل، مروراً بنظرة سارتر التي اعتبرت الآخر جحيماً وشرطاً للوجود في آنٍ واحد، وصولاً إلى أخلاقيات إيمانويل ليفيناس التي جعلت من مسؤولية الأنا تجاه وجه الآخر أساساً للأخلاق؛ ظل هذا المفهوم محوراً للصراع الفكري والإنساني. ويأتي طرح فيّاض اليوم ليعيد صياغة هذه الجدلية في سياق سوسيولوجي معاصر، مؤكداً أن الآخر ليس مجرد شخص أو جماعة مختلفة، بل هو نتاج لعمليات اجتماعية وثقافية ورمزية معقدة تحدد «من نحن» في مقابل «من لسنا نحن».
أهمية الاعتراف بالآخر في عصر العولمة
يشير فيّاض في دراسته المعنونة (سوسيولوجيا الآخر: جدلية الهوية والاختلاف في البناء الاجتماعي والثقافي) إلى أن مسألة الآخر تعد من أكثر القضايا جوهرية في الدراسات الإنسانية، خاصة في ظل التحولات العالمية الراهنة. وتكمن أهمية هذا الطرح في تأثيره المباشر على الاستقرار المحلي والإقليمي والدولي؛ فغياب ثقافة الاعتراف بالآخر يؤدي حتماً إلى تصاعد خطابات الكراهية، والتطرف، والإقصاء الاجتماعي. وفي عالم أصبح قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا، لم يعد الآخر كياناً خارجياً بعيداً، بل أصبح حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية عبر الهجرة، والفضاءات الرقمية، والتداخل الثقافي، مما يفرض تحديات جديدة على صانعي القرار والمؤسسات التربوية.
الهوية كعملية تفاعلية لا إقصائية
ويرى فيّاض أن الآخر ليس كائناً خارجياً يهدد الذات، بل هو عنصر أساسي في تشكل الوعي الذاتي. فالإنسان لا يدرك أبعاده الأخلاقية والثقافية إلا من خلال التفاعل مع المختلف عنه. وبناءً على ذلك، فإن الاعتراف المتبادل يمثل إطاراً فعالاً لبناء العدالة الاجتماعية وتعزيز التعددية الثقافية. وحذر من أن الخطاب الإعلامي والسياسي قد يعيد إنتاج الإقصاء إذا لم يراعِ أسس هذا الاعتراف، مما يهدد السلم الأهلي ويفكك النسيج الاجتماعي للدول.
نحو سياسات تعزز التعددية والاعتراف المتبادل
وفي ختام رؤيته، أوصى الدكتور حسام الدين فيّاض بضرورة ترجمة مفهوم الاعتراف بالآخر إلى سياسات ثقافية واجتماعية ملموسة. ودعا إلى إعادة النظر في الصور النمطية السائدة في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام، وتوسيع نطاق الدراسات حول الآخر في سياق العولمة. والهدف من ذلك هو ضمان فهم متكامل للهوية والاختلاف، يحول التنوع من مصدر للصراع والتهديد إلى فرصة لإثراء الحضارة الإنسانية، وبناء مجتمعات قائمة على التفاعل الإيجابي بدلاً من الانغلاق والخوف.


