في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، أعلنت شركة «روساتوم» الروسية الحكومية للطاقة النووية عن إجلاء خبرائها وتعليق العمل بالكامل في محطة بوشهر النووية بإيران. يأتي هذا القرار المثير للقلق في أعقاب تقارير عن غارات جوية استهدفت مواقع حساسة بالقرب من منشآت نووية إيرانية، مما يضع البرنامج النووي الإيراني مجدداً في قلب عاصفة جيوسياسية قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
إشارة روسية في قلب العاصفة
صرح أليكسي ليخاتشوف، المدير العام لشركة «روساتوم»، بأن الاتصالات مع المسؤولين عن القطاع النووي الإيراني قد انقطعت تماماً، وأنه تم إبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضرورة الحصول على دعم سياسي لبدء عملية إجلاء الخبراء الروس. وأضاف ليخاتشوف أن العمل في موقع بناء محطة بوشهر قد توقف بالكامل، مشيراً إلى أن الضربات على المنشآت النووية الإيرانية قد خرجت عن السيطرة. وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية رصدها أضراراً في مبانٍ عند مدخل منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، وهو ما يزيد من خطورة الموقف.
بوشهر: تاريخ من التعاون ومستقبل غامض
تمثل محطة بوشهر، وهي المحطة النووية الوحيدة العاملة في إيران، رمزاً للتعاون التقني الطويل بين موسكو وطهران. بدأ العمل في المحطة في السبعينيات بمساعدة ألمانية، لكن المشروع توقف بعد الثورة الإسلامية عام 1979. وفي منتصف التسعينيات، تدخلت روسيا لإحياء المشروع وإكماله، لتصبح شريكاً استراتيجياً لإيران في مجال الطاقة النووية السلمية. لطالما كان البرنامج النووي الإيراني برمته مصدراً للجدل الدولي، حيث أدى إلى فرض عقوبات صارمة وإبرام الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة لاحقاً في 2018. قرار الإجلاء الروسي الحالي لا يهدد فقط مستقبل محطة بوشهر، بل يلقي بظلال من الشك على مستقبل العلاقة الاستراتيجية بين البلدين في هذا الملف الحساس.
تداعيات تتجاوز الحدود الإقليمية
إن إخلاء الخبراء الروس من بوشهر يحمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد. على الصعيد الإقليمي، يُعد ذلك مؤشراً على أن روسيا، حليفة إيران، ترى أن خطر نشوب صراع مباشر وعمليات عسكرية تستهدف المنشآت النووية قد أصبح وشيكاً. وحذر ليخاتشوف من أن أي هجوم على المحطة، التي تخزن أطناناً من الوقود النووي، قد يؤدي إلى كارثة إقليمية ذات عواقب وخيمة. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تزيد من الضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي لإيجاد حل دبلوماسي عاجل، وتؤكد التحذيرات التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون سابقاً من أن إيران تقترب من بناء مواقع نووية محصنة، مما يستدعي تحركاً استباقياً. قرار الإجلاء يضع الجميع أمام حقيقة أن المنطقة تقف على حافة الهاوية، وأن أي حسابات خاطئة قد تشعل صراعاً لا يمكن احتواء تداعياته.


