فرض الذكاء الاصطناعي نفسه كساحة جديدة وحاسمة في الصراع الممتد بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في الميدان العسكري أو السياسي التقليدي. فقد انتقلت الحرب إلى فضاء رقمي تتشكل فيه الروايات وتتأجج المشاعر عبر مقاطع الذكاء الاصطناعي المصممة للتضليل، والتي تنتشر بسرعة تفوق سرعة التحقق منها، ممتدة بتأثيرها إلى منطقة الخليج التي تتابع التطورات بقلق متزايد.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت مقاطع التزييف العميق والصور المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي إلى أسراب رقمية مثيرة للقلق. يتم تداول هذه المواد قبل فحصها، وتؤثر في الرأي العام قبل أن يتم تفنيدها، مما يخلق حالة من الفوضى المعلوماتية التي تخدم أجندات سياسية وعسكرية. وفي هذا السياق، وثّقت مجلة “WIRED” التقنية موجة تضليل واسعة على منصة «X» (تويتر سابقاً) تزامنت مع تصاعد التوترات العسكرية، شملت مئات المنشورات المضللة التي استخدمت مقاطع فيديو قديمة نُسبت زوراً للحظة الراهنة، وصوراً مولّدة بالكامل، وحتى لقطات من ألعاب فيديو تم تقديمها على أنها مشاهد قصف حقيقية.
حرب الظل تنتقل إلى الفضاء الرقمي
لم يبدأ هذا الصراع اليوم. لعقود طويلة، انخرطت إيران وأعداؤها في “حرب ظل” معقدة، شملت عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية واغتيالات. لكن الجديد هو دمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في هذه الحرب، مما يمثل نقلة نوعية في أدوات الحرب النفسية. فبدلاً من الاعتماد على الشائعات التقليدية أو الأخبار الملفقة التي تتطلب وقتاً وجهداً، أصبح بإمكان أي طرف الآن إنتاج محتوى مزيف بجودة عالية وبتكلفة منخفضة، قادر على إحداث تأثير فوري وواسع النطاق، مستهدفاً إثارة الانقسامات الداخلية وتشويه الحقائق وتوجيه الرأي العام المحلي والدولي.
مقاطع الذكاء الاصطناعي: أسلحة الحرب النفسية الجديدة
الأرقام التي كشفتها التقارير الأخيرة تدق ناقوس الخطر. فخلال تصاعد أحد النزاعات الأخيرة، دخل مقطعان مولّدان ومزيفان قائمة أكثر 15 فيديو مشاهدة عن إيران على «تيك توك» خلال أسبوع واحد فقط، بينما حصدت 3 مقاطع أخرى أكثر من 100 مليون مشاهدة عبر منصات متعددة. الدلالة واضحة: حتى لو جرى التكذيب لاحقاً، فإن الأثر النفسي والسياسي يكون قد تحقق بالفعل. وفي السياق ذاته، كشفت منصة NewsGuard عن وجود ما يقارب 2,089 موقعاً إخبارياً يعتمد على محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي دون الإفصاح عن ذلك، مما يسهّل إعادة تدوير الشائعات في هيئة «خبر منشور» يُستشهد به لاحقاً. ونقلت وكالة Associated Press عن تقرير لمايكروسوفت تسجيل أكثر من 200 حادثة محتوى مزيف مولّد بالذكاء الاصطناعي خلال الفترة بين 2024 و2025، بزيادة تتجاوز الضعف مقارنة بالعام السابق.
صدى الأزمة في الخليج: تحذيرات رسمية في مواجهة الفوضى
في ظل هذه البيئة المعلوماتية المشحونة، صدرت تحذيرات رسمية خليجية متزامنة تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الموقف. فقد نبهت وزارة الداخلية السعودية إلى ضرورة التثبت من المعلومات المتداولة وعدم الانسياق خلف حسابات مجهولة، والاعتماد حصراً على القنوات الرسمية. وفي تحذير حديث، حذّرت شرطة دبي من محتالين ينتحلون صفة موظفين في جهات رسمية للحصول على بيانات سرية، مؤكدة أن الجهات الرسمية لا تطلب رموز التحقق عبر الهاتف. كما أكدت الجهات الأمنية في البحرين، ضمن حملات التوعية السيبرانية المستمرة، على ضرورة عدم مشاركة البيانات الشخصية أو إعادة نشر محتوى غير موثوق في أوقات الأزمات. هذه التحركات تظهر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في إدارة الصراعات وصناعة الإدراك العام، مما يجعل المعركة في زمن الأزمات لا تُقاس فقط بما يجري على الأرض، بل بما يُنشر على الشاشة.


