لبنان أمام اختبار سيادي جديد شمال الليطاني
يعود ملف السلاح غير الشرعي إلى الواجهة في لبنان، لكن هذه المرة في ساحة جديدة تقع شمال نهر الليطاني، حيث أطلقت الحكومة اللبنانية المرحلة الثانية من خطة أمنية تهدف إلى فرض سلطة الدولة. تأتي هذه الخطوة في توقيت حرج، مدفوعة بتصاعد الضغوط الدولية والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، لتضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها وقدرتها على تنفيذ قراراتها السيادية. إن معركة حصر السلاح شمال الليطاني ليست مجرد عملية أمنية، بل هي معركة سياسية بامتياز، تعكس موازين القوى الداخلية والخارجية المعقدة التي تحكم المشهد اللبناني.
جذور الأزمة: من القرار 1701 إلى الواقع الحالي
لفهم أبعاد التحرك الحالي، لا بد من العودة إلى جذوره التاريخية التي تمتد إلى ما بعد حرب يوليو 2006، وصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. لقد رسم هذا القرار خريطة أمنية جديدة جنوب لبنان، ونص على جعل المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني خالية من أي مسلحين أو أسلحة غير تابعة للدولة اللبنانية وقوات اليونيفيل. ورغم أن القرار نجح جزئياً في ضبط الوضع جنوب النهر، إلا أن قضية السلاح بقيت معلقة في باقي المناطق اللبنانية، خاصة في المناطق التي تتمتع فيها قوى مثل “حزب الله” بنفوذ كبير. اليوم، يمثل الانتقال إلى شمال الليطاني محاولة لاستكمال تطبيق منطق القرار 1701، وتوسيع نطاق سيادة الدولة على كامل أراضيها، وهو مطلب داخلي ودولي قديم.
تحديات خطة حصر السلاح شمال الليطاني
تختلف منطقة شمال الليطاني عن جنوبها بشكل كبير، مما يضاعف من حجم التحديات. فالمنطقة أوسع جغرافياً وأكثر تعقيداً من الناحية الديموغرافية واللوجستية. وتشير المعلومات إلى وجود بنية تحتية عسكرية تشمل منشآت ومخازن وأنفاق، مما يجعل أي خطوة عسكرية محفوفة بمخاطر أمنية وسياسية كبيرة. أي خطأ في التقدير قد يشعل مواجهة غير محسوبة. يضاف إلى ذلك، التباين الواضح في المواقف السياسية؛ فبينما يرفض “حزب الله” علناً تسليم سلاحه، لم يعترض وزراؤه داخل الحكومة على إقرار الخطة، في مشهد يعكس إدارة مزدوجة للملف، تهدف إلى استيعاب الضغوط دون التنازل عن الثوابت. هذا الواقع يضع الجيش اللبناني في موقف دقيق، حيث يُطلب منه تنفيذ مهمة حساسة دون غطاء سياسي كامل وموحد.
تداعيات إقليمية ودولية على المحك
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن سياقها الإقليمي والدولي. فالولايات المتحدة تربط دعمها المستمر للجيش اللبناني بتحقيق نتائج ملموسة على الأرض في بسط سلطة الدولة، وتعتبر هذه المرحلة مقياساً لجدية الحكومة. أي تباطؤ قد يؤثر سلباً على المساعدات العسكرية والمالية. من جهة أخرى، تراقب إسرائيل التطورات عن كثب، وتواصل ضغوطها العسكرية عبر الغارات والاستطلاع اليومي، مؤكدة أنها لن تسمح بوجود فراغ استراتيجي يمكن أن تستغله خصومها. إن نجاح الدولة في هذه المهمة سيعزز من موقف لبنان الدولي ويزيد من ثقة المجتمع الدولي بمؤسساته، بينما قد يؤدي الفشل إلى تعميق عزلته وزيادة المخاطر الأمنية على حدوده. بالتالي، فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط في قدرة الجيش على الانتشار، بل في قدرة الطبقة السياسية على اتخاذ قرار تاريخي ينهي حالة ازدواجية السلاح ويعيد للدولة كامل سيادتها.


