مع حلول شهر رمضان المبارك، تسود أجواء من السكينة والروحانية، حيث يمثل هذا الشهر فرصة للمسلمين في جميع أنحاء العالم للتقرب إلى الله وتزكية النفس. إلا أن هذه الأجواء الهادئة سرعان ما تتعرض لاختبار حقيقي مع اقتراب موعد أذان المغرب. ففي الدقائق الأخيرة التي تسبق الإفطار، ترتفع وتيرة التوتر لدى البعض، لتتحول مواقف بسيطة وعابرة إلى خلافات حادة. هذه الظاهرة، المعروفة بـ المشاحنات في رمضان، تطرح تساؤلاً مهماً حول كيفية تحول لحظات يفترض أنها ذروة الهدوء إلى اختبار حقيقي لقدرة الإنسان على ضبط النفس.
تاريخياً، ارتبط الصيام في الإسلام بتهذيب السلوك وتعزيز قيم الصبر والتحمل. لكن في سياق الحياة العصرية المتسارعة، أضيفت تحديات جديدة. فالازدحام المروري الخانق الذي يسبق الإفطار، وضغوطات العمل اليومية، والتغيرات الفسيولوجية التي يمر بها الجسم، كلها عوامل تتضافر لتخلق بيئة خصبة للتوتر. يواجه الكثير من الصائمين صعوبة في التحكم بانفعالاتهم، مرجعين ذلك إلى الجوع أو الإرهاق، بينما يشير المختصون إلى أن المسألة أعمق من ذلك، حيث تتداخل عوامل جسدية ونفسية معقدة.
الأسباب العميقة وراء العصبية الرمضانية
يفسر الخبراء هذه الظاهرة بمجموعة من العوامل المتشابكة. على الصعيد الجسدي، يؤدي انخفاض مستوى السكر في الدم خلال ساعات الصيام الطويلة إلى شعور البعض بالوهن وسرعة الانفعال. كما أن الانقطاع المفاجئ عن منبهات مثل الكافيين والنيكوتين لدى المعتادين عليها يسبب أعراضاً انسحابية تزيد من حدة التوتر. ويؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور جمال الطويرقي أن الغضب لدى الصائم يؤدي إلى ارتفاع هائل في مستوى هرمون الأدرينالين، قد يصل إلى 30 ضعفاً عن معدله الطبيعي، مما يشكل خطراً على صحة القلب وقد يسبب نوبات قلبية لدى الأشخاص المهيئين لذلك.
تداعيات المشاحنات في رمضان: من الشارع إلى المحاكم
لا تتوقف آثار هذه المشادات عند حدود التوتر اللحظي، بل قد تتطور لتصل إلى قضايا جنائية وإصابات تستدعي تدخل الجهات الأمنية والمستشفيات. فالاندفاع والارتباك في اللحظات الأخيرة قبل الإفطار يلعبان دوراً كبيراً في تفاقم هذه السلوكيات. وتوضح المحامية والمستشارة القانونية نجود القاسم أن عقوبات المشاجرات تختلف باختلاف نوع الاعتداء وحجم الضرر، وقد تتحول القضية من جنحة إلى جناية إذا تجاوزت مدة الشفاء 15 يوماً، وتتراوح العقوبات بين السجن والجلد والغرامة، خاصة إذا كان هناك تهديد للأمن العام. وفي بعض الحالات المأساوية، قد تصل إلى القتل شبه العمد نتيجة نوبة غضب غير مسيطر عليها.
الصيام مدرسة لتهذيب النفس لا مبرر للشجار
من منظور ديني واجتماعي، يؤكد شهر رمضان على قيم التسامح والتعاون. ويشدد الدكتور محمد بشير حداد، أستاذ الدعوة والإصلاح، على أن الصيام ليس مبرراً للشجار، فالمسلم الحق يصوم عن الطعام والشراب كما تصوم جوارحه عن المعاصي. رمضان هو فرصة عظيمة لتدريب النفس على الصبر وضبط الانفعالات، والانسياق وراء الغضب يفسد هذه الأجواء ويؤثر سلباً على روحانية الشهر. لذا، يُنصح بتجنب الخروج في أوقات الذروة، وإنجاز المهام في وقت مبكر، والأهم من ذلك، استحضار الحكمة من الصيام وهي التحكم في النفس والارتقاء بها فوق الرغبات والنزعات السلبية.


