في ظل تطورات متسارعة تضع منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، قاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حراكاً دبلوماسياً مكثفاً وعاجلاً، تزامناً مع تصاعد العمليات العسكرية. وقد أجرى الوزير سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، مشدداً على حق طهران المشروع في الدفاع عن النفس واستخدام كافة قدراتها لصد ما وصفه بـ "الحرب الأمريكية الإسرائيلية" التي اندلعت شرارتها يوم السبت.
رسائل تحذير وسط نيران المعركة
ووفقاً لما نقلته وسائل الإعلام الرسمية، شملت اتصالات عراقجي وزراء خارجية كل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، والبحرين، إضافة إلى العراق. وهدفت هذه المباحثات إلى إطلاع دول الجوار على "آخر المستجدات الميدانية والسياسية"، في مسعى واضح لتحييد هذه الدول عن الصراع.
ورغم تأكيد عراقجي على سياسة "حسن الجوار" التي تنتهجها حكومته، إلا أن رسالته حملت تحذيراً استراتيجياً مبطناً؛ حيث طالب بضمانات صريحة بعدم استخدام الولايات المتحدة وإسرائيل للأراضي أو الأجواء الخليجية، أو القواعد العسكرية المنتشرة فيها، كمنصات لشن هجمات ضد الجمهورية الإسلامية. واعتبر أن هذه الحرب "تهديد وجودي" لا يقتصر على إيران بل يطال استقرار المنطقة برمتها.
السياق الجيوسياسي: توازن دقيق ومخاطر إقليمية
تأتي هذه التحذيرات في وقت حساس للغاية، حيث تحاول دول الخليج الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية والإقليمية. فمن ناحية، تستضيف دول مثل قطر والبحرين قواعد عسكرية أمريكية حيوية (قاعدة العديد ومقر الأسطول الخامس)، ومن ناحية أخرى، شهدت المنطقة مؤخراً انفراجة دبلوماسية تمثلت في استئناف العلاقات السعودية الإيرانية بوساطة صينية في مارس 2023. ويسعى عراقجي من خلال هذه الاتصالات إلى تفعيل هذه التفاهمات لضمان عدم انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
ويرى مراقبون أن أي انخراط لدول الخليج في هذا الصراع، ولو بشكل غير مباشر، قد يؤدي إلى توسيع رقعة المواجهة لتشمل مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، مما قد يتسبب في أزمات اقتصادية دولية وارتفاع جنوني في أسعار النفط.
تصعيد إنساني وقانوني: "إعلان حرب"
على الجانب الإنساني، وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الهجمات بأنها "إعلان حرب صريح" وانتهاك صارخ للقانون الدولي. وكشف عن حصيلة مؤلمة تمثلت في مقتل 24 طفلاً في محافظة هرمزغان الاستراتيجية المطلة على الخليج.
وهاجم بقائي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيراً إلى التناقض الصارخ بين ادعاءات دعم الشعب الإيراني وبين الواقع الميداني الذي يطال المدنيين. وأكد أن طهران تحركت دبلوماسياً عبر مجلس الأمن الدولي لتقديم شكوى رسمية، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الفوري.
مستقبل المنطقة على المحك
تضع هذه التطورات المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة. فبينما تؤكد إيران جاهزيتها للدفاع عن سيادتها "بكل الإمكانيات"، تتزايد المخاوف الدولية من خروج الوضع عن السيطرة وتحوله إلى نزاع إقليمي طويل الأمد، خاصة في ظل التحشيد العسكري غير المسبوق في مياه الخليج والتهديدات المتبادلة التي قد تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية للشرق الأوسط.


