في تطور نوعي ينقل المواجهة المفتوحة بين طهران وتل أبيب إلى مستويات غير مسبوقة من "الحرب الهجينة"، لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على تبادل القصف الصاروخي أو الغارات الجوية فحسب، بل اتسعت رقعتها لتشمل هجمات سيبرانية معقدة استهدفت العمق الرقمي والخدمي في إيران. هذه الهجمات الأخيرة تهدف بشكل أساسي إلى إحداث تأثير نفسي مباشر على الجبهة الداخلية الإيرانية، متجاوزة الأضرار المادية التقليدية.
اختراق التطبيقات الأكثر شعبية
كشفت تقارير تداولها ناشطون إيرانيون وأكدتها وسائل إعلام دولية، عن تعرض البنية التحتية الرقمية في إيران لاختراق واسع النطاق، طال عدداً من التطبيقات الخدمية الأكثر استخداماً في الحياة اليومية للمواطنين. وجاء في مقدمة هذه التطبيقات برنامج "تقويم باده صبا" (Badeh Saba) المخصص لمواقيت الصلاة والأدعية، والذي يتمتع بشعبية جارفة تتجاوز 5 ملايين عملية تحميل عبر متجر "جوجل بلاي" وحده. ويشير خبراء الأمن الرقمي إلى أن اختيار هذا النوع من التطبيقات لم يكن عشوائياً، بل هو استغلال لمنصة تضمن الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع الإيراني.
رسائل نفسية ودعوات للتمرد
فوجئ مستخدمو التطبيقات المخترقة بتلقي إشعارات غير معتادة باللغة الفارسية، حملت رسائل سياسية مباشرة مثل "المساعدة قد وصلت". ولم تكتفِ الرسائل بذلك، بل تضمنت دعوات صريحة وموجهة لأفراد القوات المسلحة الإيرانية وعناصر الحرس الثوري للانشقاق عن النظام والانضمام لما وصفته بـ "جهود تحرير البلاد". ويرى المحللون أن دمج الرسائل السياسية داخل تطبيقات دينية وخدمية يعكس استراتيجية نفسية دقيقة تهدف إلى زعزعة الثقة في قدرة النظام على حماية فضائه السيبراني، وزرع الشكوك داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
السياق التاريخي: من "ستاكسنت" إلى حرب البنية التحتية
لفهم أبعاد هذا الهجوم، لا بد من وضعه في سياقه التاريخي؛ فالحرب السيبرانية بين الطرفين ليست وليدة اللحظة. يعود تاريخ هذا الصراع الخفي إلى أكثر من عقد من الزمان، وتحديداً منذ هجوم دودة "ستاكسنت" (Stuxnet) الشهير في عام 2010 الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز النووية. ومنذ ذلك الحين، تطورت الأهداف من المنشآت النووية والعسكرية لتشمل البنى التحتية المدنية الحيوية، حيث شهدت السنوات الماضية هجمات متبادلة طالت محطات الوقود الإيرانية، مصانع الصلب، شبكات السكك الحديدية، وحتى الموانئ وشبكات المياه، مما حول حياة المدنيين إلى ورقة ضغط في هذا الصراع.
اختراق المنصات الرسمية وتأكيد دولي
وفي سياق متصل، أكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن هذه الاختراقات تأتي ضمن موجة منسقة تزامنت مع التحركات العسكرية الإسرائيلية. ولم تكن المواقع الرسمية بمنأى عن هذه الهجمة، حيث أقرت وسائل إعلام إيرانية باختراق عدة منصات إخبارية، أبرزها وكالة الأنباء الرسمية "إرنا". وقد ظهرت على الصفحة الرئيسية للوكالة عبارات تهاجم النظام وتصف الوضع بـ "ساعة مرعبة لقوات أمن نظام الملالي"، مؤكدة تلقي الحرس الثوري والباسيج ضربات قاصمة.
الأبعاد الاستراتيجية وتأثير الحرب المعرفية
يحمل هذا التحول في طبيعة الهجمات دلالات استراتيجية خطيرة؛ فهو ينقل المعركة من "التخريب المادي" إلى "الحرب المعرفية". إن نجاح اختراق الجدار الناري الرقمي للمؤسسات الحساسة في طهران، والوصول إلى الهواتف الشخصية للمواطنين، يبعث برسالة حول هشاشة منظومة "الإنترنت الوطني" التي سعت إيران لبنائها لسنوات لعزل فضائها الرقمي عن العالم. ومن المتوقع أن تؤدي هذه العمليات إلى زيادة حالة "البارانويا" الأمنية داخل طهران، مع استمرار استخدام الفضاء الإلكتروني كساحة حرب موازية لا تقل ضراوة وتأثيراً عن الميدان العسكري التقليدي.


